تريليون أم تريليونان؟ لماذا تتباين تقديرات حجم السوق
أوّل ما يلفت الانتباه عند قراءة تقارير سوق المدن الذكية هو التفاوت الكبير في الأرقام. فبينما تقدّر بعض بيوت الأبحاث حجم السوق العالمي في 2026 بنحو 1.19 تريليون دولار، تذهب تقديرات أخرى إلى نحو 1.96 تريليون دولار للعام نفسه. هذا الفارق الذي يقارب 800 مليار دولار لا يعني خطأً في الحساب، بل يعكس اختلاف المنهجيات: ما الذي يُحتسب أصلاً ضمن «المدينة الذكية»؟
بعض التقارير تحصر السوق في حلول البنية التحتية الرقمية وأنظمة الاستشعار والمنصات البرمجية، فتخرج بأرقام أقل. وأخرى توسّع النطاق ليشمل النقل الذكي والطاقة والمباني والخدمات الحكومية الرقمية والأمن، فتتضخّم الأرقام تبعاً لذلك. ولهذا، فإن القارئ الذكي لا يبحث عن «الرقم الصحيح» الواحد، بل يفهم النطاق الذي تتحرك فيه التقديرات والافتراضات التي بُنيت عليها.
خريطة النمو حتى 2034 — معدلات مركّبة تتراوح بين 15% و29%
رغم تباين نقطة الانطلاق، تتفق التقارير على اتجاه واحد: نمو متسارع. تتوقع شركة Fortune Business Insights أن يصل السوق إلى نحو 6.3 تريليون دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركّب يقارب 23%. وتذهب MarketsandMarkets إلى تقدير أكثر تحفّظاً، إذ ترى نمو السوق من 699.7 مليار دولار في 2025 إلى 1,445.6 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل 15.6%.
أما Grand View Research فتقدّم سيناريو أكثر تفاؤلاً، متوقعةً قفزة من 877.6 مليار دولار في 2024 إلى 3,757.9 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل مرتفع يبلغ 29.4%. ما يجمع هذه السيناريوهات أن المدن الذكية لم تعد سوقاً ناشئة هامشية، بل تحوّلت إلى أحد أسرع قطاعات التقنية الحضرية نمواً، مدفوعةً بالتوسّع الحضري وضغط التغيّر المناخي والحاجة إلى كفاءة الخدمات.
من يقود السباق؟ آسيا والمحيط الهادئ في مواجهة أمريكا الشمالية
جغرافياً، يتركّز ثقل السوق في كتلتين رئيسيتين. استحوذت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على النصيب الأكبر من إيرادات السوق في 2025 بنسبة تقارب 39.6%، مدفوعةً بالتوسّع الحضري السريع في الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. ويُتوقع أن ينمو سوق المنطقة من نحو 207 مليارات دولار في 2025 إلى 457.2 مليار دولار بحلول 2030.
في المقابل، تحتفظ أمريكا الشمالية بحصّة تقارب 30.5%، حيث يُتوقع أن ينمو السوق الأمريكي وحده من 192.5 مليار دولار في 2025 إلى 374 مليار دولار بحلول 2030. لكن اللافت أن أعلى معدلات النمو النسبية لا تأتي بالضرورة من هذه المراكز الناضجة، بل من الأسواق الصاعدة في أفريقيا والشرق الأوسط التي تبني بنيتها الذكية من الصفر، متجاوزةً مراحل تطوّر كاملة.
أين تُنفق الأموال؟ من المرافق إلى السلامة العامة
داخل السوق، تتوزّع النفقات على قطاعات متفاوتة الوزن. تصدّرت المرافق الذكية (Smart Utilities) — من شبكات الطاقة والمياه إلى الإنارة — المشهد بحصّة تقارب 28.4% من الإيرادات في 2025، باعتبارها العمود الفقري التشغيلي لأي مدينة ذكية. أما قطاع خدمات المواطن الذكية فيُتوقع أن يهيمن على المدى الأبعد مع تنامي رقمنة الخدمات الحكومية.
لكن النمو الأسرع يأتي من قطاع السلامة العامة الذكية (Smart Public Safety)، المتوقع أن يسجّل أعلى معدل نمو سنوي مركّب يقارب 17.2% حتى 2031. هذا التحوّل يعكس أولوية متصاعدة لدى المدن: لم يعد الاستثمار منصبّاً على البنية التحتية الصلبة وحدها، بل على الأنظمة التي تحوّل البيانات إلى قرارات لحظية في إدارة المرور والطوارئ والمراقبة.
أين تقف السعودية على هذه الخريطة؟
في هذا المشهد العالمي، تبرز السعودية كأحد أكثر الأسواق ديناميكيةً في المنطقة. تشير تقديرات MarketsandMarkets إلى نمو السوق السعودي للمدن الذكية من نحو 5.1 مليار دولار في 2025 إلى 10.9 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي يقارب 16.3% — أي أسرع من متوسط الأسواق الناضجة. ويقف خلف هذا الزخم استثمار غير مسبوق، يتصدّره مشروع نيوم بكلفة مخطّطة تتجاوز 500 مليار دولار، وهو الأضخم من نوعه في تاريخ المدن الذكية عالمياً.
ولا يقتصر الأمر على المشاريع العملاقة. ففي يناير 2026، أعلنت AWS عن منطقة سحابية جديدة في السعودية باستثمار يبلغ 5.3 مليار دولار، توفّر قدرة حوسبة متقدمة لتشغيل تطبيقات المدن الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في نيوم والرياض. وعلى أرض الواقع، تستخدم غرفة التحكّم الذكية في الرياض الذكاء الاصطناعي لتحسين انسيابية المرور، بما خفّض زمن التنقّل بنسبة تتراوح بين 15% و20%. هذه الأرقام مجتمعةً تضع المملكة، في إطار رؤية 2030، ليس كمستهلك للتقنية بل كمختبر عالمي لمستقبل المدن الذكية.



