التقنيات ا والابتكار

سبع بلديات وشبكة واحدة: نموذج LoRaWAN المشترك

سبع بلديات بريطانية أطلقت شبكة LoRaWAN إقليمية موحّدة تغطي 98% من جنوب إسكس بـ44 بوابة فقط وتحت الميزانية. نقرأ كيف تكسر البنية المشتركة لإنترنت الأشياء حاجز «ما بعد التجربة»، ولماذا تبدأ المدينة الذكية من طبقة اتصال منخفضة الطاقة تتقاسمها الجهات بدل أن تبنيها كلٌّ لنفسها.

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
وقت القراءة
5 دقيقة
سبع بلديات وشبكة واحدة: نموذج LoRaWAN المشترك

الشبكة الصامتة: ما هي LoRaWAN ولماذا تحمل معظم الخدمات الذكية؟

حين نتحدث عن اتصالات المدن الذكية يذهب الذهن مباشرة إلى شبكات 5G وأليافها البصرية. لكن تحت هذه الطبقة اللامعة تعمل شبكة أخرى صامتة تحمل القسم الأكبر من حالات الاستخدام اليومية: LoRaWAN، بروتوكول الاتصال بعيد المدى منخفض الطاقة (LPWAN) الذي صُمم لمهمة واحدة يتقنها جيداً — نقل رسائل صغيرة من آلاف الحساسات المتناثرة، عبر كيلومترات، ببطارية تعيش سنوات.

 

الحساس الذي يقيس امتلاء حاوية النفايات لا يحتاج بث فيديو؛ يحتاج إرسال بضع بايتات كل ساعة. وحساس رطوبة التربة في الحديقة، وعداد المياه، وكاشف التسرب، ومقياس جودة الهواء — كلها تشترك في المتطلبات نفسها: مدى طويل، طاقة شبه معدومة، وكلفة زهيدة للجهاز والاشتراك. هنا تتفوق LoRaWAN: بوابة واحدة مثبتة على سطح مبنى تلتقط إشارات آلاف الحساسات في نطاق يمتد كيلومترات، على طيف ترددي غير مرخّص، وبأجهزة تعمل خمس إلى عشر سنوات دون تغيير بطارية.

 

لهذا صنّفها تحالف LoRa Alliance أسرع تقنيات LPWAN نمواً في حالات استخدام المدن الذكية، ويقدَّر سوق LoRa وLoRaWAN عالمياً بنحو 11.4 مليار دولار في 2026 صعوداً من 9 مليارات في 2025، مع استحواذ القطاع العام على أكثر من نصف الحصة. إذا كانت منصات المدن الذكية «العقل التشغيلي» للمدينة، فشبكات LoRaWAN أشبه بجهازها العصبي الطرفي: لا تراها، لكنها تنقل الإحساس من كل طرف.

تجربة جنوب إسكس: سبع بلديات قررت ألا تبني سبع شبكات

في 20 يوليو 2026 اكتمل في بريطانيا مشروع يستحق التأمل: سبع جهات محلية في جنوب إسكس — باسيلدون، برينتوود، كاسل بوينت، روتشفورد، ساوثند-أون-سي، ثوروك، ومجلس مقاطعة إسكس — أطلقت شبكة LoRaWAN إقليمية موحّدة ومنصة إنترنت أشياء مشتركة، بدل أن تبني كل بلدية شبكتها الخاصة.

 

الأرقام تروي القصة: تغطية 98% من إقليم جنوب إسكس بـ44 موقع بوابات فقط بدلاً من 60 كانت مقدّرة في التصميم الأولي، بفضل تخطيط دقيق للترددات الراديوية — وإنجاز المشروع بأقل من ميزانيته بأربعين ألف جنيه إسترليني. والأذكى من ذلك أن الشبكة بُنيت فوق أصل موجود أصلاً: الألياف المعتمة (Dark Fibre) المملوكة للبلديات، فتحولت بنية خاملة إلى عمود فقري لمنصة رقمية إقليمية.

 

على هذه الشبكة الواحدة تعمل اليوم باقة متنوعة من الخدمات: عدّادات التردد في المكتبات والساحات العامة، حساسات الإشغال والرطوبة في المباني الحكومية، إنذارات الفيضانات ودرجات الحرارة، مراقبة امتلاء الحاويات، كشف أول أكسيد الكربون، وحتى الامتثال لاشتراطات مكافحة بكتيريا الليجيونيلا في أنظمة المياه. كل خدمة جديدة لا تحتاج سوى حساسات تُضاف إلى الشبكة القائمة — لا مناقصة اتصال جديدة، ولا بنية موازية.

اقتصاديات المشاركة: كيف تُكسر عقدة «ما بعد التجربة»؟

تعرف صناعة المدن الذكية مقبرة واسعة اسمها «التجارب الناجحة التي لم تتوسع». تنجح البلدية في تجربة 50 حساساً لمواقف السيارات، ثم يتوقف كل شيء. السبب في الغالب ليس التقنية بل الاقتصاد المؤسسي: كل مشروع تجريبي يحمل وحده كلفة شبكته واتصاله ومنصته وعقود صيانته، فتتضخم الكلفة لكل حالة استخدام، ويسقط مبرر التوسع.

 

النموذج المشترك يقلب هذه المعادلة من ثلاث زوايا. أولاً، توزيع الكلفة الثابتة: البوابات والمنصة ومركز الإدارة تُبنى مرة واحدة وتتقاسمها سبع جهات، فتنخفض حصة كل جهة إلى ما دون كلفة أصغر شبكة مستقلة. ثانياً، الكلفة الحدية شبه الصفرية للخدمة الجديدة: حين تكون طبقة الاتصال قائمة، تصبح إضافة حالة استخدام قراراً بشراء حساسات لا مشروعَ بنية تحتية — وهذا تحديداً ما يسمح للتجربة الناجحة بأن تتوسع. ثالثاً، قوة التفاوض والمعرفة المتراكمة: جهة مشتركة تشتري وتتعلم مرة واحدة بدل سبع منحنيات تعلم متوازية.

 

وفي المقابل، يطرح النموذج سؤال الحوكمة الذي لا مفر منه: من يملك الشبكة؟ ومن يشغّلها؟ وكيف تُحاسَب الجهات على استخدامها؟ تجربة إسكس أجابت بمنصة إدارة مركزية وحوكمة تعاقدية واضحة بين البلديات — وهو درس يتقاطع مع خلاصة مؤشر IMD للمدن الذكية 2026: البنية المؤسسية (Structures) تتنبأ بنجاح المدينة الذكية أكثر من التقنية ذاتها.

الدرس السعودي: من البحر الأحمر إلى الأمانات — من يملك شبكة إنترنت الأشياء في مدينتك؟

السعودية ليست غريبة على LoRaWAN. أحد أكبر نشرات هذه التقنية في المنطقة كان في مشروع البحر الأحمر: شبكة تغطي أكثر من 3,500 كيلومتر مربع من موقع الإنشاء، نشرتها شركة MachinesTalk مع منصة Actility وأجهزة Abeeway، لتتبع 36 ألف شارة ذكية للعمال و3,000 مركبة — تسعة وثلاثون ألف جهاز ببطاريات تدوم أشهراً، ومنصات مستضافة في سحابة سعودية. وفي جدة تعمل إنارة الشوارع الذكية على LoRaWAN، فيما تنشر شركات الاتصالات الوطنية شبكات NB-IoT الخلوية الموازية.

 

الفجوة ليست في التقنية إذن، بل في نموذج الملكية. فمعظم النشرات السعودية اليوم إما شبكة خاصة بمشروع عملاق واحد (البحر الأحمر، نيوم)، أو حل مغلق لحالة استخدام واحدة (إنارة، عدادات). أما طبقة الاتصال المشتركة التي تتقاسمها أمانة وبلدياتها الفرعية وشركات المرافق — على نموذج جنوب إسكس — فما زالت مساحة مفتوحة، رغم أن مقوماتها متوفرة: أصول ألياف حكومية ممتدة، وأعمدة إنارة تصلح مواقع بوابات، وقائمة طويلة من حالات استخدام الموجة الأولى (الري، النفايات، كشف التسرب، جودة الهواء، الفيضانات) تنتظر شبكة تحملها بكلفة معقولة.

 

الخلاصة لصانع القرار البلدي: قبل أن تسأل «أي حساسات نشتري؟»، اسأل «على أي شبكة ستتحدث هذه الحساسات — ومن سيتقاسمها معنا؟». سبع بلديات بريطانية وجدت أن الإجابة الأوفر والأسرع هي: شبكة واحدة للجميع. والمدن التي ستصل أولاً إلى اقتصاديات إنترنت الأشياء ليست بالضرورة الأغنى — بل تلك التي تتقن فن المشاركة.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً