ماذا قال الوزير بالضبط؟ وكيف نقرأ «تعظيم الأثر»؟
في كانون الثاني/يناير 2026، ومن منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، صرّح وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم بتصريح يُعدّ من أكثر التصريحات الاستراتيجية أهمية منذ إطلاق رؤية 2030 قبل عشر سنوات. وصف الوزير عام 2026 بأنه «بداية المرحلة الثالثة» للرؤية، وحدّد التحوّل بعبارة دقيقة: «نحن ننتقل من إطلاق الإصلاحات إلى تعظيم أثرها». ولم يُحجم عن الإقرار بأن بعض المشاريع تأخّرت أو أُعيد تحديد نطاقها، قائلاً بصراحة: «لن نُحجم عن القول إننا اضطُررنا إلى تأجيل مشروع أو إعادة تحديد نطاقه». وهذه عبارة بحد ذاتها تكشف تحوّلاً ثقافياً: من خطاب «الطموح اللامحدود» إلى خطاب «الواقعية القابلة للقياس».
لفهم ما تعنيه «المرحلة الثالثة»، يجب استعراض المراحل السابقة بسرعة: المرحلة الأولى (2016–2020) ركّزت على بناء الأساس التشريعي والمؤسسي، وإطلاق صندوق الاستثمارات العامة كمحرّك للتنويع الاقتصادي. المرحلة الثانية (2021–2025) شهدت إطلاق المشاريع العملاقة وتوسعة الاستثمار في القطاعات غير النفطية. أما المرحلة الثالثة (2026–2030)، فهي مرحلة «تعظيم الأثر»: تحويل ما أُطلِق إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
ووفقاً للتقرير السنوي لرؤية 2030 (إصدار 2025)، فإن 93% من مؤشرات الأداء حقّقت أهدافها أو تجاوزتها أو اقتربت منها. هذه النسبة لم تكن لتُذكر لو كانت المرحلة الثالثة مجرّد امتداد للمرحلة الثانية؛ إنها بمثابة شهادة الانتقال من «هل ننجح؟» إلى «كيف نُعظِّم ما أنجزناه؟». في عالم المدن الذكية، هذه العبارة تعني تحديداً أمرين: التركيز على التشغيل بدل البناء، والانتقال من قياس «حجم الاستثمار» إلى قياس «جودة الخدمات الذكية المقدّمة للمواطن».
من «الطموح غير المحدود» إلى «الأثر القابل للقياس»
أكثر ما يميّز خطاب المرحلة الثالثة هو تحوّله من لغة الإطلاق إلى لغة التشغيل. هذا التحوّل ليس مجرّد بلاغة سياسية، بل يحمل ثلاث دلالات استراتيجية مباشرة على قطاع المدن الذكية: إعادة هيكلة المشاريع لتجنّب الإحماء الاقتصادي، وتحوّل عبء الإنجاز إلى القطاع الخاص، والتركيز على الخدمات بدل الواجهات.
صرّح الوزير الإبراهيم بأن الحكومة تتبنّى نهجاً «رشيقاً» في إدارة خطّ المشاريع، عبر إعادة تحديد نطاق بعضها وتأجيل بعضها الآخر، لتفادي ضغط التضخّم وتقاطع الموارد. بمعنى أدق: لن تُطلَق مدن ذكية جديدة لمجرّد إطلاقها، بل ستُختار المشاريع التي يمكنها تقديم خدمات ذكية فعلية في إطار زمني واقعي. كما أعلن صراحةً أن القطاع الخاص سيتحمّل دوراً أكبر في تنفيذ مشاريع الرؤية في المرحلة الثالثة. هذا التحوّل بالغ الأهمية لمشاريع المدن الذكية، لأنه يعني أن النموذج التشغيلي سيعتمد بشكل متزايد على شراكات PPP (Public-Private Partnership)، وعلى مزوّدي خدمة OT و IoT و AI من خارج المنظومة الحكومية.
المرحلة الثانية ركّزت على بناء الواجهات: الأبراج، المكعّبات، الخطوط، الجزر. أما المرحلة الثالثة فستُقاس بـجودة الحياة الفعلية التي تُقدّمها هذه المشاريع: زمن الاستجابة لخدمات الطوارئ، استهلاك الطاقة للفرد، نسبة استخدام شبكات النقل الذكي، رضا المستخدم عن الخدمات. في عبارة واحدة: المرحلة الأولى بنت الإطار، المرحلة الثانية أطلقت المشاريع، والمرحلة الثالثة ستحوّلها إلى خدمات يلمسها المواطن.
أثر التحوّل على نيوم وذا لاين وأوكساغون
لا يمكن قراءة المرحلة الثالثة دون النظر إلى أكثر التحوّلات إثارة في ملف المدن الذكية السعودية: إعادة هيكلة نيوم. وهذه الهيكلة هي التطبيق الأوضح لمبدأ «تعظيم الأثر». بعد سنوات من الإعلانات الطموحة بشأن مدينة خطية بطول 170 كيلومتراً، أشارت التقارير الصادرة في 2025 و2026 إلى أن جزءاً صغيراً فقط من «ذا لاين» سيُنجَز بحلول 2030 بدلاً من النطاق الأصلي. هذا ليس فشلاً، بل تطبيق مباشر لفلسفة «إعادة التحديد» التي تحدّث عنها الوزير.
في المقابل، أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن إطلاق HUMAIN، الذراع المتخصّصة في تحويل أجزاء من نيوم إلى مركز عالمي لمراكز البيانات وأبحاث الذكاء الاصطناعي. وتشمل التطوّرات: محطّة بسعة 500 ميجاوات بالشراكة مع xAI التابعة لإيلون ماسك، وقدرة 1 جيجاوات إضافية مع شركة الاتصالات السعودية (stc)، وهدف استراتيجي ببلوغ 6.6 جيجاوات خلال العقد القادم. كما وقّعت نيوم في فبراير 2026 شراكة مع شركة DataVolt السعودية لبناء أكبر حرم بيانات ذكاء اصطناعي بسعة 1.5 جيجاوات، باستثمار أوّلي قدره 5 مليارات دولار، على أن تبدأ المرحلة الأولى تشغيلها في 2028.
ميزة هذا الحرم أنه يعتمد التبريد بمياه البحر الأحمر — نموذج فريد للاستدامة في مراكز البيانات الضخمة. والدلالة الأعمق؟ بدلاً من الاستمرار في بناء مدينة سكنية خطّية مكلفة، تحوّلت نيوم إلى بنية تحتية رقمية سيادية تخدم اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي. هذا تحوّل من «منتج للسكن» إلى «منتج للحوسبة» — وهو بحد ذاته أوضح تجلٍّ لـ«تعظيم الأثر»: الأثر الاقتصادي لـ 6.6 جيجاوات من حوسبة الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير من بناء برج سكني آخر.
القدية، البحر الأحمر، المربع الجديد، روشن — من صعد ومن أُعيد ترتيبه؟
في المقابل، ليست كل المشاريع العملاقة قد قُلِّصت. بعضها صعد بقوة في المرحلة الثالثة، لأنه يلبّي معيار «الأثر القابل للقياس» مباشرة. القدية تتسارع: افتُتح Six Flags Qiddiya في ديسمبر 2025، تلاه Aquarabia في أبريل 2026. كما أُعلن عن الخط السابع لمترو الرياض لخدمة القدية، مع تنفيذ المرحلة الأولى في 2026. القدية لا تُعيد تعريف الترفيه فقط، بل تُقدّم نموذجاً متكاملاً لـ «Entertainment-as-Infrastructure» — أي البنية التحتية الذكية التي تخدم الترفيه والتنقّل والطاقة بشكل موحّد.
وتواصل روشن، الذراع العقارية لصندوق الاستثمارات العامة، خطّتها لتسليم 400 ألف وحدة سكنية بحلول 2030، بما يتماشى مع مستهدفات تملّك المواطنين. مشاريع روشن، رغم طبيعتها السكنية التقليدية ظاهراً، تعتمد بنية ذكية متكاملة (Smart Energy، Smart Water، Public Wi-Fi). كما بدأ العمل الفعلي في The Mukaab، المكعّب الأكبر في العالم بأبعاد 400×400×400 متر، ليصبح قلب مشروع مربع جديد في وسط الرياض، مع تجارب رقمية وافتراضية متقدّمة. ويستمرّ مشروع البحر الأحمر في مساره كنموذج للسياحة الفاخرة منخفضة الانبعاثات.
ماذا يكشف هذا الترتيب؟ المشاريع التي صعدت تشترك في صفتين: عائد اقتصادي قابل للقياس (سياحة، ترفيه، إسكان)، وجدول زمني واقعي للتشغيل. أما المشاريع التي قُلِّصت، فكانت تحمل طموحاً تقنياً غير مُجرَّب على نطاق واسع (المدينة الخطية بطول 170 كم). هذه القاعدة وحدها هي خارطة المرحلة الثالثة.
ماذا يعني هذا التحوّل للمهندس والمستثمر في المدن الذكية؟
التحوّل من «إطلاق» إلى «تعظيم أثر» يُعيد رسم ملامح سوق المدن الذكية السعودية حتى 2030. المرحلة الثانية كانت ذروة عقود التصميم والبناء (Concept Design، DD، CD). أما المرحلة الثالثة فستكون ذروة عقود التشغيل والصيانة الذكية (CAFM، Smart Operations، Performance Optimization). من يُتقن أنظمة CAFM ومنصّات IoT للتشغيل والتحليل سيكون له اليد العليا. وحالات استخدام لم تعد ميزة إضافية — أصبحت معياراً تعاقدياً لكل مشروع في المرحلة الثالثة.
تصريح الوزير بأن القطاع الخاص سيتولّى دوراً أكبر يعني أن مشاريع المدن الذكية الصغيرة والمتوسّطة (داخل المدن القائمة كالرياض وجدّة والدمّام) ستكون مفتوحة أمام شراكات PPP بشروط أكثر مرونة مما كانت عليه في المرحلة الثانية. كما أن كل عقد سيُربط بمؤشرات أداء قابلة للقياس: زمن الاستجابة، استهلاك الطاقة، رضا المستخدم. ومن يُتقن منصّات الـ Digital Twin لقياس الأداء التشغيلي سيقدّم قيمة لا غنى عنها. ومع تحوّل المدن من «البناء» إلى «التشغيل»، يصبح الأمن السيبراني للأنظمة التشغيلية (OT) أولوية وطنية.
المرحلة الثالثة لرؤية 2030 ليست استمراراً للمرحلة الثانية بإيقاع أسرع، بل تحوّل نوعي في طريقة التفكير: من «الإطلاق» إلى «الأثر»، ومن «الواجهات» إلى «الخدمات»، ومن «بناء المدن» إلى «تشغيلها بذكاء». والذي سيُقاس عليه نجاح هذه المرحلة ليس عدد المشاريع المُعلنة، بل عدد الخدمات الذكية التي يلمسها المواطن يومياً: من إشارة مرور تتجاوب مع الازدحام، إلى إنذار تسرّب مياه قبل وقوع الكارثة، إلى مساعد ذكاء اصطناعي يُجيب على استفسار بلدي خلال ثوانٍ. من ينظر إلى السنوات الأربع القادمة بهذه العدسة، سيرى أن سوق المدن الذكية السعودية لم يتقلّص — بل أعاد توزيع نفسه نحو ما يصنع فرقاً حقيقياً.



