أولاً: من المدينة التقنية إلى مدينة الإنسان… قصة تحوّل في المفهوم
نشأ مصطلح «المدينة الذكية» في مطلع الألفية الثالثة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتقنية: مستشعرات منتشرة في الشوارع، وإنترنت الأشياء، وبيانات ضخمة، ومنصات رقمية تُدار بها الخدمات. كان السؤال السائد آنذاك: «كم جهازاً متصلاً تمتلك المدينة؟» لا «كم إنساناً سعيداً تعيش فيها؟».
وقد قدّم الباحث «بويد كوهين» عام 2015 إطاراً صار مرجعاً، صنّف فيه المدن الذكية إلى ثلاثة أجيال: الجيل الأول مدفوع بالتقنية تقوده الشركات، والجيل الثاني تقوده الحكومات بأدوات تقنية، أما الجيل الثالث فهو «المدينة المُشارَكة»، حيث ينتقل المواطن من «مستهلك خدمات» إلى «شريك في صناعتها».
ولم يكن هذا التحوّل ترفاً نظرياً، بل جاء استجابةً لإخفاقات حقيقية: مشاريع ضخمة أُنفقت عليها مليارات الدولارات لم تُترجم إلى تحسّن ملموس في جودة الحياة، وبيّنت أن التقنية وحدها لا تصنع مدينةً ناجحة ما لم تكن في خدمة احتياجات إنسانية واضحة.
ثانياً: أبرز المصطلحات الجديدة المتمحورة حول الإنسان
تبلورت في السنوات الأخيرة جملة من المصطلحات التي تعكس النقلة من «المدينة التي تعمل بالتقنية» إلى «المدينة التي تعمل من أجل الإنسان»، أبرزها:
المدينة المتمحورة حول المواطن (Citizen-Centric City): تنطلق من مبدأ أن المواطن ليس مستخدماً سلبياً للخدمة الرقمية، بل شريك في تصميمها وتقييمها. وتُقاس نجاعتها بمدى استجابتها لتطلعات الناس، لا بعدد التطبيقات التي تُطلقها.
مدينة الـ15 دقيقة (15-Minute City): مفهوم طوّره الأستاذ «كارلوس مورينو» في جامعة السوربون، ويقوم على أن يجد الإنسان كل احتياجاته الأساسية - من عمل وتعليم وصحة وتسوّق وترفيه - في نطاق 15 دقيقة سيراً على الأقدام أو ركوباً للدراجة من منزله. وقد تبنّت هذه الفكرة مدنٌ كبرى مثل باريس وبرشلونة وملبورن.
المدينة الصالحة للعيش (Liveable City): تتجاوز معايير «الذكاء التقني» إلى مؤشرات إنسانية كالأمان، ونوعية الهواء، ووفرة المساحات الخضراء، وسهولة التنقّل، وتكلفة المعيشة.
المدينة الشاملة (Inclusive City): ترسّخ مبدأ أن المدينة الذكية حقاً هي التي تخدم الجميع - بمن فيهم كبار السن، وذوو الإعاقة، والأطفال، والنساء - وليس فقط الفئة القادرة على استخدام التطبيقات والخدمات الرقمية.
المدينة القابلة للسير (Walkable City): تعيد الاعتبار لقدمَي الإنسان مقياساً أوّل للتصميم الحضري، بدلاً من إخضاع الشوارع لمنطق السيارة.
ثالثاً: ماذا يعني هذا التحوّل للقارئ وللمدينة؟
هذا التحوّل في المصطلحات ليس مجرّد ترف لغوي يخص الأكاديميين والمخططين، بل ينعكس مباشرةً على حياتنا اليومية. فحين تتبنّى مدينةٌ ما مفهوم «الـ15 دقيقة»، يعني ذلك حياً أكثر هدوءاً واعتماداً أقل على السيارة، ومتاجر قريبة وحدائق في متناول الأطفال.
وحين تتبنّى مفهوم «الشمول»، يعني ذلك أرصفةً تستوعب الكراسي المتحرّكة، وإشاراتٍ مرورية تمنح المسن وقتاً كافياً للعبور، وخدماتٍ رقمية لا تُقصي من لا يجيدون التعامل مع التطبيقات.
أما في المنطقة العربية، فيمكن قراءة كثير من المشاريع الكبرى - من «نيوم» في المملكة العربية السعودية إلى مبادرات «أبو ظبي 2030» - في ضوء هذا التحوّل، إذ لم تَعُد الواجهة التقنية كافية لتسويق المشروع، بل بات السؤال المحوري: ما الذي يقدّمه هذا المشروع للإنسان؟
وفي نهاية المطاف، فإن المعيار الأصدق لمدينة ذكية لم يَعد عدد المستشعرات في شوارعها، بل ابتسامة الطفل وهو يلعب في حديقتها، وثقة المسن وهو يعبر شارعها، وقدرة الأسرة على قضاء يومها دون أن تستهلكها المسافات.




