المدن الذكية - حالات استخدام

الري الذكي في أشد الصيف حرارة: كيف تسقي الرياض 7.5 ملايين شجرة بحساسات التربة ومياه الصرف المعالجة؟

في مدينة صحراوية تزرع 7.5 ملايين شجرة، يتحوّل الري من هدر خفي إلى بنية تحتية ذكية: 1,350 كم من شبكات المياه المعالجة، وحساسات تربة ومحطات طقس تضبط كل قطرة بالخوارزميات. كيف تدير الرياض أكبر مشروع تشجير حضري في العالم في ذروة الصيف — وماذا توفّر المدينة فعلاً؟

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
١٨ يوليو ٢٠٢٦
وقت القراءة
4 دقيقة
الري الذكي في أشد الصيف حرارة: كيف تسقي الرياض 7.5 ملايين شجرة بحساسات التربة ومياه الصرف المعالجة؟

الفاتورة الخفية: لماذا الري أكبر مستهلك للمياه في المدينة الصحراوية؟

حين نتحدث عن ندرة المياه في مدن الخليج، تتجه الأنظار عادة إلى محطات التحلية وشبكات التوزيع. لكن هناك مستهلكاً صامتاً يكبر مع كل حديقة جديدة وكل شارع مشجّر: ريّ المسطحات الخضراء. عالمياً، يذهب نحو 30% من استهلاك المنازل للمياه إلى السقيا الخارجية، ويُهدر جزء كبير منها بسبب جداول ريّ ثابتة لا تراعي الطقس ولا حالة التربة. وفي المملكة، يستهلك ريّ المناظر الطبيعية وحده نحو 16% من مياه الصرف الصحي المعالجة، بينما يذهب 59% منها للري الزراعي.

المعادلة في مدينة مثل الرياض أصعب: صيف تتجاوز حرارته الخمسين درجة مئوية أحياناً، ومعدلات تبخّر من الأعلى عالمياً، وطموح أخضر غير مسبوق — رفع نصيب الفرد من المساحات الخضراء 16 ضعفاً من 1.7 إلى 28 متراً مربعاً. كل شجرة جديدة هي التزام مائي طويل الأمد. وبدون طبقة ذكية تدير هذا الالتزام، يتحوّل التشجير من مكسب بيئي إلى نزيف مائي في بلد تُنتج فيه كل قطرة تحلية بكلفة طاقة عالية. هنا بالضبط تلتقي أجندة الاستدامة بأجندة المدينة الذكية.

تشريح منظومة الري الذكي: من الحساس إلى الخوارزمية

الري الذكي ليس «مؤقتاً مبرمجاً» يفتح الماء فجراً ويغلقه بعد ساعة؛ إنه منظومة استشعار وقرار متكاملة تعمل كأي حالة استخدام ناضجة في المدينة الذكية. في الطبقة الأولى تأتي حساسات رطوبة التربة المدفونة عند جذور الأشجار، وهي الأسرع نمواً في السوق اليوم، تقيس الاحتياج الفعلي بدل الافتراضي. فوقها محطات الطقس المصغّرة التي تحسب معدل التبخر-النتح (Evapotranspiration) لحظياً، فتؤجل الريّ تلقائياً في يوم رطب وتكثّفه في موجة حر. ثم عدادات التدفق التي تكشف التسرب أو الكسر في الشبكة فور حدوثه، وأخيراً منصة مركزية تجمع كل ذلك وتُصدر جداول ريّ ديناميكية لكل منطقة — بل لكل صنف شجري — عبر بروتوكولات إنترنت الأشياء.

النتائج المقاسة عالمياً تتحدث عن خفض 25% في استهلاك مياه الري مع تحسّن صحة الغطاء النباتي، وهو ما يفسّر نمو سوق الري الذكي العالمي إلى نحو 2.15 مليار دولار في 2026 بمعدلات نمو ثنائية الرقم، مدفوعاً بالبلديات والمجمعات الرياضية والجامعات قبل المزارع. والأهم لمهندس المدن الذكية: الري الذكي يشارك البنية نفسها مع بقية حالات الاستخدام — شبكة الاتصال، منصة إدارة الأجهزة، ولوحة العمليات الموحدة — ما يجعله من أسرع الحالات تحقيقاً للعائد عند إضافته فوق بنية قائمة.

الرياض نموذجاً: «الرياض الخضراء» وحديقة الملك سلمان

يقدّم برنامج «الرياض الخضراء»، أحد المشاريع الأربعة الكبرى للعاصمة، أضخم تطبيق عملي لهذه المنظومة في العالم: 7.5 ملايين شجرة تُروى بالكامل بمياه الصرف المعالجة عبر شبكات يبلغ طولها 1,350 كيلومتراً، صُممت لنقل 1.7 مليون متر مكعب يومياً من المياه المعالجة — أي أن المشروع بنى فعلياً «شبكة مياه ثانية» موازية لشبكة الشرب، مخصصة للمدينة الخضراء، مدعومة بمحطات ضخ ومختبرات لمراقبة جودة المياه المعالجة أولاً بأول.

وفي قلب هذه المنظومة تفتح حديقة الملك سلمان — أكبر حديقة حضرية في العالم على أرض مطار الرياض القديم بمساحة 16.6 كم² — مرحلتها الأولى أواخر 2026، بأكثر من مليون شجرة ومساحات خضراء تتجاوز 11 كم². الحديقة تعالج نحو 150 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف وترفع نقاءها إلى درجة قريبة من مياه الشرب، ثم توزعها عبر شبكات ريّ تُدار بأنظمة تجمع بيانات محطات الطقس وحساسات التربة لضبط التدفق آلياً، إلى جانب طبقات تربة معاد تأهيلها لرفع احتفاظها بالرطوبة. وهذا كله يصبّ في مستهدف وطني أوسع ضمن رؤية 2030: إعادة استخدام أكثر من 70% من المياه المعالجة وصولاً إلى الاستفادة الكاملة منها — لتتحول مياه الصرف من عبء بيئي إلى أصل استراتيجي يسقي المدينة.

ماهو العائد: ماذا توفّر المدينة فعلاً؟

الدرس الأهم لبقية المدن السعودية التي تتوسع خضرتها ضمن مبادرة السعودية الخضراء: لا تبدأ بزراعة الشجرة ثم تبحث عن مائها، بل صمّم «الطبقة الذكية» مع الشبكة منذ اليوم الأول — كما فعلت الرياض حين مدّت 1,350 كيلومتراً من شبكات المياه المعالجة قبل اكتمال التشجير. فالمدينة الذكية لا تُقاس بعدد حساساتها، بل بقدرتها على تحويل أندر مواردها إلى أطول أعمار أشجارها.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً