ستون ألف ضربة في السنة: ثمن العمل في العتمة
تمتد تحت شوارع المملكة المتحدة شبكة هائلة يقارب طولها أربعة ملايين كيلومتر من أنابيب المياه والغاز والصرف وكابلات الكهرباء والاتصالات، أي ما يكفي للف حول الأرض نحو مئة مرة. المفارقة أن أحدًا لا يملك صورة كاملة لهذه «المدينة الخفية»؛ فكل شبكة تعود لمالك مختلف، وخرائطها متناثرة بصيغ وجودات متفاوتة. النتيجة نحو 60 ألف ضربة حفر عرضية سنويًا تصيب أصلًا مدفونًا، بكلفة تقارب 2.4 مليار جنيه إسترليني في العام: انقطاع خدمات، وتعطل مشاريع، ومخاطر حقيقية على حياة العمال. وقبل أن يغرز المقاول معوله في الأرض، كان عليه مراسلة عشرات الجهات المالكة للأصول والانتظار 6.1 أيام في المتوسط لجمع الخرائط اللازمة.
NUAR: خريطة واحدة بقوة القانون
الحل البريطاني كان «السجل الوطني للأصول تحت الأرض» (NUAR): خريطة رقمية آمنة وموحّدة لكل الأنابيب والكابلات المدفونة في إنجلترا وويلز وأيرلندا الشمالية، تختصر زمن الوصول إلى البيانات من ستة أيام إلى نحو ستين ثانية. الأهم أن الأمر لم يبقَ مبادرة طوعية؛ فقانون البيانات (الاستخدام والوصول) الصادر عام 2025 منح السجل صفة قانونية، ومنذ الأول من أبريل 2026 انتقل تشغيله رسميًا إلى هيئة المساحة البريطانية (Ordnance Survey) ضمن مهمتها الوطنية للخرائط، مع التزام تدريجي على أكثر من 700 جهة مالكة للأصول بتزويد السجل ببياناتها وتحديثها. وتقدّر الحكومة البريطانية العائد الاقتصادي بأكثر من 400 مليون جنيه سنويًا، بعد أن كانت التقديرات الأولى نحو 350 مليونًا.
سر النجاح: توحيد البيانات لا جمعها
قد يبدو المشروع مجرد «تجميع خرائط»، لكن جوهره أعمق: نموذج بيانات موحّد يعيد صياغة بيانات مئات الجهات بصيغة واحدة قابلة للقراءة الفورية، مع بقاء ملكية البيانات لدى أصحابها. والوصول ليس مفتوحًا للجميع؛ بل مقيّد بمن يخطط أو ينفذ أعمال حفر عبر عرض آمن مصمم لـ«الحفر الآمن»، لأن مواقع هذه الشبكات تُعد من بيانات البنية التحتية الوطنية الحساسة. وقد انضم إلى السجل أكثر من 90% من سلطات الطرق قبل اكتمال المرحلة الإلزامية. الدرس الأهم لصناع القرار: التقنية كانت أسهل جزء في المعادلة، أما الأصعب فكان حوكمة البيانات، وتوحيد المعايير، وسند قانوني يجعل المشاركة التزامًا لا خيارًا.
الطبقة الناقصة في مدننا: من التوأم الرقمي فوق الأرض إلى ما تحتها
معظم التوائم الرقمية للمدن تحاكي ما فوق سطح الأرض: المباني والطرق وحركة المرور. لكن مدنًا تشهد أضخم أعمال حفر في العالم تحتاج النصف الآخر من الصورة. تخيّل طبقة جيومكانية موحّدة لما تحت الأرض في الرياض، حيث تتقاطع توسعات المترو مع شبكات الألياف الضوئية وأنابيب التبريد المركزي للأحياء؛ كل تصريح حفر يصدر خلال دقائق بدل أسابيع، وكل ضربة عرضية يجري تفاديها توفر ملايين الريالات وساعات انقطاع عن آلاف المستفيدين. أما في مدينة تُبنى من الصفر مثل نيوم، فالفرصة أثمن: توثيق كل أصل مدفون رقميًا لحظة تركيبه، ليولد السجل مكتملًا بدل ترميمه بأثر رجعي كما تفعل بريطانيا اليوم. سجل وطني كهذا ليس ترفًا تقنيًا، بل بنية تحتية للبيانات تكمل التوأم الرقمي وترفع كفاءة الإنفاق على المشاريع الكبرى — وهو هدف في صميم رؤية السعودية 2030.




