من ردّ الفعل إلى التنبؤ: فلسفة جديدة لإدارة أكبر حشود الأرض
بحسب الهيئة العامة للإحصاء، أدّى فريضة الحج لعام 1447هـ/2026م ما مجموعه 1,707,301 حاجّ، منهم 1,546,655 قادمين من خارج المملكة — بزيادة تقارب 34 ألف حاجّ عن موسم 2025. إدارة تجمّع بشري بهذا الحجم، في نطاق جغرافي ضيّق وأيام معدودة، ظلّت تاريخياً واحدة من أصعب تحديات إدارة الحشود في العالم؛ ودفعت البشرية ثمنها في حوادث تدافع مؤلمة عبر العقود.
التحوّل الجوهري في حج 2026 لم يكن في عدد الكاميرات أو التطبيقات، بل في الفلسفة نفسها: الانتقال من نموذج «التدخّل بعد حدوث الضغط» إلى نموذج «التوقّع المبكر والتنظيم الاستباقي للحركة». فالمعلومة الآنية — كما تعلّمت المدن الذكية حول العالم — تصل غالباً متأخرة؛ أما الخوارزمية التي تتنبأ بالتكدّس قبل تكوّنه فهي التي تنقذ الأرواح فعلاً.
«بصير» و«سواهر»: العيون الخوارزمية لسدايا
في قلب المنظومة تقف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) بالشراكة مع وزارة الداخلية، عبر منصتين وطنيتين:
«سواهر» — منظومة المراقبة الذكية التي تشمل بنى تحتية لكاميرات المراقبة وغرفاً للمراقبة الأمنية ومنصات تشغيلية تدعم المتابعة الميدانية. تتغذى المنظومة من نحو 15 ألف كاميرا منتشرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة.
«بصير» — منصة الرؤية الحاسوبية التي تحلّل البث المباشر بخوارزميات وطنية لقياس كثافة الحشود وأنماط الحركة في الوقت الفعلي، وترفع — وفق سدايا — «القدرة التنبؤية للمخاطر والتكدسات في المسجد الحرام والمشاعر المقدسة إلى درجات غير مسبوقة»، فتُعاد توجيه مسارات الحجاج قبل أن يتحوّل الازدحام إلى خطر.
وعزّزت سدايا المنظومة هذا الموسم بمراكز عمليات متنقلة بالذكاء الاصطناعي تدعم متخذي القرار ميدانياً، إلى جانب منصات مساندة مثل «سواحل» ومبادرة «طريق مكة».
بطاقة «نسك» والمستشعرات الذكية: لأول مرة في منى
الابتكار الأبرز لموسم 1447هـ كان تفعيل وزارة الحج والعمرة — للمرة الأولى — منظومة مستشعرات وقارئات ذكية مرتبطة مباشرة ببطاقة «نسك»، الهوية الذكية الإلزامية لكل حاجّ من الوصول حتى المغادرة. المنظومة تدير عمليات التفويج في منى، وتتتبّع حركة الحشود لحظياً، وتقدّم تنبؤات مستقبلية بسلوك الحجاج لصنّاع القرار الميدانيين.
وتجاوز عدد مستخدمي منصة «نسك» 51 مليون مستخدم حول العالم، مستفيدين من أكثر من 100 خدمة رقمية. وعلى الأرض، استكملت المنظومةَ حلولٌ «منخفضة التقنية» لا تقل ذكاءً: نظام ترميز لوني وتتبّع جغرافي على أعمدة الدور الأرضي للمسجد الحرام، و84 لوحة إرشادية في منطقة المسعى متزامنة مع بوابات الدخول والممرات الرئيسية — تذكير بأن المدينة الذكية الناجحة تمزج الخوارزمية باللافتة.
الدرونز والتعرّف على الوجوه: الطبقة الجوية للمنظومة
فوق رؤوس الحجاج عملت طبقة استشعار جوية من نوعين: درونز صغيرة مزوّدة بكاميرات عالية الدقة وتصوير حراري لرصد التكدّس المبكر وكشف مخالفي أنظمة الحج، وطائرات أكبر بلا طيار لمنع الدخول غير النظامي إلى المشاعر. وعند البوابات، تحقّقت تقنيات التعرّف على الوجوه من تصاريح الحجاج وهويّاتهم في الوقت الفعلي، كما استُخدمت الدرونز في مهام لوجستية وطبية مثل نقل العينات والإمدادات.
ماذا تتعلّم المدن الذكية من الحج؟
الحج هو أكبر مختبر حيّ لإدارة الحشود على وجه الأرض، وما جرى في 2026 يقدّم ثلاثة دروس لأي مدينة ذكية — من ملاعب كأس العالم 2034 إلى مواسم الرياض:
أولاً، التكامل قبل التقنية: قوة المنظومة لم تأتِ من كاميرا أو تطبيق، بل من ربط الاستشعار الأرضي (نسك) بالرؤية الحاسوبية (بصير) بالمراقبة الجوية (الدرونز) في غرفة قرار واحدة.
ثانياً، التنبؤ هو المعيار: حالة استخدام إدارة الحشود (Crowd Management) في أي مشروع مدينة ذكية يجب أن تُقاس بقدرتها على منع الحادثة لا توثيقها.
ثالثاً، السيادة الخوارزمية: الخوارزميات الوطنية التي طوّرتها سدايا تثبت أن أكثر التحديات حساسية تُدار بقدرات محلية — وهذا بالضبط ما تحتاجه مدن المملكة وهي تتحوّل إلى بنية تحتية يديرها الذكاء الاصطناعي.




