تسعة أشهر، ثلاث دفعات عقود — كيف يُقرأ جدول التنفيذ؟
في ديسمبر 2025 أسندت شركة إكسبو 2030 الرياض حزمة «المرافق والأعمال المدنية الرئيسة» إلى نسما وشركاه. الحزمة تغطي نحو 50 كيلومتراً من شبكات البنية التحتية: المياه والصرف الصحي، والشبكات الكهربائية وشبكات الاتصالات، ومحطات شحن المركبات الكهربائية. وقد أُسندت قبل موعدها المخطط لتسريع الجدول الزمني.
في أبريل 2026 أُسندت حزمتان إضافيتان لشركة اليمامة، تشملان شبكات الطرق الداخلية وحلول التنقّل الذكي، إضافةً إلى أنظمة المرافق الأساسية: مياه وصرف وكهرباء واتصالات وبنية شحن كهربائي متقدّمة.
وفي 15 أغسطس 2026، وقّعت «السعودية للطاقة» (الاسم الجديد للشركة السعودية للكهرباء) اتفاقية مع شركة إكسبو 2030 الرياض لتطوير بنية إمداد كهربائي مخصّصة للموقع، أُسندت أعمالها إلى البابطين للمقاولات، وحيف، والفنار، وشركة التجارة والتطوير (TDP).
الملاحظة الجوهرية هنا ليست في أسماء المقاولين، بل في الترتيب: تسعة أشهر من العمل المتواصل — وكل ما أُسند حتى اللحظة يقع تحت مستوى الأرض أو خلف السياج. لم يُسند بعد أي عقد لجناح أو مبنى معرض رئيس. المدينة تُبنى من الأسفل.
العمود الفقري الكهربائي: من 25 ميجاواط اليوم إلى 400 قبل الافتتاح
نطاق الاتفاقية الكهربائية محدَّد بدقة هندسية: محطة إمداد رئيسة بجهد 380/132 كيلوفولت (BSP)، وثلاث محطات تحويل رئيسة بجهد 132/13.8 كيلوفولت، مع البنية الكهربائية المصاحبة التي تربط موقع الإكسبو بالشبكة الوطنية.
وبحسب تقارير المشروع، فإن 25 ميجاواط من الإمداد الأولي مركّبة وجاهزة للتشغيل بالفعل لتغذية عمليات الموقع ودعم أعمال الاختبار والتشغيل التجريبي — بينما تستهدف الخطة طاقة دائمة تقارب 400 ميجاواط تكتمل قبل الحدث بنحو 18 شهراً.
لماذا 18 شهراً؟ لأن الفارق بين «كهرباء موجودة» و«كهرباء موثوقة» هو زمن الاختبار. أي مدينة ذكية تعمل على طبقتين: طبقة الأحمال التشغيلية (إنارة، تكييف، مصاعد، ضخّ)، وطبقة الأحمال الرقمية (كاميرات، حسّاسات، شبكات، غرف عمليات، مراكز بيانات طرفية). الطبقة الثانية لا تحتمل انقطاعاً ولا تذبذباً، ولا يمكن التحقّق من جاهزيتها إلا بتشغيل حقيقي مطوّل قبل وصول الزوار.
والفارق بين 25 و400 ميجاواط ليس فارق حجم فحسب، بل فارق مرحلة: الرقم الأول يبني الموقع، والثاني يشغّل مدينة.
ما يُدفن الآن يقرّر ما يمكن تشغيله لاحقاً
في مشاريع المدن الذكية، تُصرف الميزانيات الأعلى عادةً على ما يظهر: المنصّات، والتطبيقات، ولوحات التحكّم. لكن سقف ما يمكن تشغيله لاحقاً يُحدَّد فعلياً في مرحلة الحفر — وتحديداً في ثلاثة قرارات صامتة:
أولاً، القنوات (Ducts) ومسارات الكابلات. كل حسّاس وكل كاميرا وكل عمود ذكي يحتاج مساراً مادياً للطاقة والبيانات. القناة التي لا تُمدّ اليوم تعني حفراً وإغلاق شوارع بعد سنوات — بتكلفة تفوق كلفتها الأصلية أضعافاً. ولهذا يظهر بند «شبكات الاتصالات» في كل حزمة من حزم الإكسبو جنباً إلى جنب مع المياه والكهرباء، لا بعدها.
ثانياً، بنية شحن المركبات الكهربائية. ورودها في نطاق العقود الأولى — لا كإضافة لاحقة — يعني أن أحمال الشحن حُسبت داخل تصميم الشبكة منذ البداية، وأن مواقع الشواحن رُسمت مع شبكة الطرق لا بعد رصفها.
ثالثاً، «حلول التنقّل الذكي» ضمن عقد الطرق نفسه. إدراجها في حزمة اليمامة يعني أن الحسّاسات وأنظمة إدارة الحركة جزء من تصميم الطريق، لا طبقة تُركَّب فوق طريق جاهز. وهذا الفارق تحديداً هو ما يفصل المدينة المخطَّطة رقمياً عن المدينة التي تُرقمَن لاحقاً بالترقيع.
الموقع نفسه — 6 ملايين متر مربع شمال الرياض قرب مطار الملك خالد — يمنح فرصة نادرة: التخطيط على ورقة بيضاء. وهي فرصة تُهدر بسهولة إن سبق البناءُ الشبكةَ.
الحدث ستة أشهر… والبنية التحتية عقود
يُقام إكسبو 2030 الرياض من 1 أكتوبر 2030 إلى 31 مارس 2031، ويُتوقّع أن يستقطب أكثر من 40 مليون زيارة. ستة أشهر من التشغيل المكثّف — ثم ماذا؟
هنا يتّضح المنطق الاقتصادي لكل ما سبق: الشبكات التي تُمدّ اليوم لا تُصمَّم لذروة ستة أشهر، بل لحيٍّ حضري يبقى بعد إطفاء الأضواء. الموقع مخطَّط منذ البداية للتحوّل إلى وجهة دائمة وحي ابتكار في شمال الرياض. وهذا يفرض معادلة تصميمية صعبة: شبكة قادرة على استيعاب ذروة استثنائية، دون أن تصبح عبئاً تشغيلياً مفرطاً في السنوات العادية.
الحلّ الهندسي المعتاد لهذه المعادلة هو التوسّع المرحلي (Phased Capacity): بنية أساسية دائمة مقاسة على الاستخدام طويل المدى، تُضاف إليها قدرات مؤقتة لفترة الحدث. ونمط الإسناد حتى الآن — محطة إمداد رئيسة واحدة وثلاث محطات تحويل مرتبطة بالشبكة الوطنية — يتّسق مع بنية دائمة لا مؤقتة.
الخلاصة للمخطّط البلدي: حين تسأل عن جاهزية مشروع «مدينة ذكية»، لا تبدأ بالسؤال عن المنصّة أو التطبيق. اسأل عن تسلسل العقود: هل أُسندت المرافق قبل المباني؟ هل شبكة الاتصالات ضمن حزمة الحفر أم بعدها؟ هل حُسبت أحمال الشحن والحسّاسات في تصميم الشبكة الكهربائية؟ وهل الطاقة الدائمة مجدولة قبل الافتتاح بوقت يكفي للاختبار؟
إجابات هذه الأسئلة الأربعة تتنبّأ بنجاح المشروع الرقمي أكثر بكثير من أي عرض تقديمي.




