1. ما الذي دشّنته الشرقية فعلاً — وما الذي يعمل منذ عام؟
في ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ دشّن أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد الجبير الهوية الجديدة لـ«مركز الصورة التشغيلية للمدينة» (COP)، بحضور وكيل الأمين للتحول الرقمي والمدن الذكية ومدير عام المدن الذكية. الشعار الجديد مستوحى من رمز اللانهاية (∞)، وفي البيان الرسمي تفسير مقصود له: تدفق مستمر للبيانات، وتكامل متواصل بين الأنظمة والقطاعات، ورصد لا يتوقف. لكن الخبر الأهم ليس الشعار؛ بل أن هذا المركز ليس وليد الأسبوع الماضي. فقد افتتحه أمير المنطقة الشرقية في محافظة الخبر في ١٦ أكتوبر ٢٠٢٥، تابعاً لوكالة التحول الرقمي والمدن الذكية بالأمانة، أي أن ما جرى في سبتمبر هو إعلان «مرحلة متقدمة» لمنظومة تعمل منذ قرابة عام.
وما يميّز هذه الحالة أن مكوّناتها معلنة بوضوح نادر في أخبار المدن الذكية العربية. فالمركز يضمّ مشروع الكاميرات الذكية التي تُحلّل الصور آلياً لتعزيز السلامة العامة، ومشروع الإنارة الذكية الذي يتحكم في أعمدة الشوارع لترشيد الطاقة ورفع كفاءة الصيانة، ومشاريع رصد التشوّه البصري، وفوق ذلك كله المنصة الذكية الموحّدة التي تدمج بيانات وأنظمة المدينة في واجهة تشغيلية واحدة. وقد حصد مشروع تحليل الكاميرات بالذكاء الاصطناعي المركز الذهبي في جوائز Stevie العالمية 2025، ونالت منظومة الرصد الذكي المستوى الفضي في جوائز الخليج للاستدامة عن فئة أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي.
ويكشف تتبّع أخبار المركز خلال الأسابيع الماضية عن دوره الجديد بوصفه واجهة الأمانة للعالم الخارجي: في ٢٣ أغسطس استقبل وفد شركة روبوتات لبحث توظيفها في العمل البلدي، وفي ١ سبتمبر عرض وكيل الأمين تجربته على منصة «ليب 2026» في الرياض، ثم جاء تدشين الهوية. ثلاث محطات في ثلاثة أسابيع تقول شيئاً واحداً: الأمانة تريد أن يكون COP هو المكان الذي تلتقي فيه البيانات والشركاء، لا مجرد شاشة كبيرة في الطابق الأخير.
2. من ساحة المعركة إلى البلدية: ماذا يعني «صورة تشغيلية مشتركة»؟
مصطلح Common Operating Picture لم يولد في عالم المدن؛ بل في العمليات العسكرية وإدارة الطوارئ. ويُعرّفه نظام إدارة الحوادث الوطني الأمريكي (NIMS) بأنه «عرضٌ واحد متطابق للمعلومات التشغيلية ذات الصلة، تتشاركه أكثر من قيادة». الكلمة المفتاحية هنا ليست «الشاشة» بل «متطابق» و«تتشاركه»: أن يرى قائد الإطفاء وقائد الشرطة ومدير المرور الحقيقةَ نفسها في اللحظة نفسها، فلا يتخذ أحدهم قراراً بناءً على خريطة قديمة بينما يتحرك الآخر على خريطة جديدة. ولهذا يُميّز المتخصصون بين مركز العمليات (مكان وأشخاص ونوبات عمل) والصورة التشغيلية (طبقة بيانات متفق عليها يمكن أن تُعرض في المركز أو على هاتف مهندس في الميدان أو في لوحة جهة شريكة).
أشهر انتقال لهذا المفهوم إلى المدينة كان في ريو دي جانيرو. فبعد سيول وانهيارات أرضية كارثية عام 2010، أنشأت المدينة مركز عمليات ريو (COR) الذي جمع نحو ثلاثين جهة بلدية تحت سقف واحد — يعمل اليوم على مدار الساعة بمئات المشغّلين ويدمج خمسين جهة — وتحوّل من أداة للكوارث إلى نظام لإدارة الحياة اليومية: المرور، وجمع النفايات، والفعاليات الكبرى مثل أولمبياد 2016. الدرس الذي وثّقته الدراسات اللاحقة عن ريو مزدوج: التكامل بين الجهات نجح حين تشاركت البيانات فعلاً، وتعثّر حين بقيت أنظمة كل جهة جزيرة معزولة خلف واجهة موحّدة شكلاً.
وهنا تتضح قيمة الصياغة الشرقية للمفهوم. فالبيان الرسمي لا يقول إن المركز يخدم الأمانة فقط، بل إنه يمكّن «قطاعات الأمانة والجهات الحكومية والقطاع الخاص والجهات الأكاديمية والبحثية من الاستفادة من البيانات التشغيلية». هذه الجملة، إن تحوّلت إلى واجهات برمجية وسياسات وصول فعلية، هي الفرق بين «صورة» تملكها الأمانة و«صورة مشتركة» بالمعنى الأصلي للمصطلح؛ أي أن تكون الشركة المشغّلة للنفايات والجامعة التي تدرس الحرارة الحضرية والدفاع المدني كلّهم يقرؤون من الطبقة نفسها.
3. ما الذي يجعل الصورة «مشتركة» فعلاً؟ ثلاثة شروط لا تظهر في الصور
الشرط الأول: نضج البيانات قبل جمال الشاشة. الصورة التشغيلية تساوي جودة أضعف مصدر يغذّيها؛ وعدّاد إنارة لا يبلّغ، أو كاميرا تُصنّف الظل تشوّهاً بصرياً، يُنتجان صورة مضلّلة بثقة عالية. ولهذا يستحق التوقّف عند مؤشر تقيسه وزارة البلديات والإسكان ربعياً عبر مركز ذكاء الأعمال ودعم القرار: نضج وحدات البيانات والإحصاء في الأمانات. ففي ١١ سبتمبر ٢٠٢٦ حصدت أمانة حفر الباطن المركز الأول على مستوى أمانات المملكة للربع الثاني بدرجة كاملة 100%. الرقم مهم لأنه يقول إن الوزارة تقيس الطبقة الخفية — الحوكمة والجودة والتوثيق — لا عدد الحساسات، وهو ما خلص إليه أيضاً مؤشر IMD للمدن الذكية 2026 حين وجد أن ركيزة «الهياكل» تتنبأ بترتيب المدن أكثر من ركيزة «التقنية».
الشرط الثاني: من يملك حق القراءة والكتابة. صورة تشغيلية تقرأها الأمانة وحدها هي لوحة قيادة داخلية جيدة، أما التي تُغذّيها الجهات الأخرى وتقرأ منها فهي بنية تحتية للمدينة. الفرق عملي جداً: هل تستطيع شركة المياه أن ترى أن حفرية الأمانة ستقطع خطها غداً؟ وهل يرى الدفاع المدني كثافة الحشود في كورنيش الخبر من الطبقة نفسها التي تراها إدارة الحدائق؟ الإجابة تتقرر في اتفاقيات تبادل البيانات وواجهاتها البرمجية، لا في حجم الشاشة. والمدن التي وصلت إلى القمة في IMD 2026 — زيورخ وأوسلو وجنيف — لا تتفوّق بعدد الكاميرات بل بالثقة التي تسمح بمشاركة الطبقة.
الشرط الثالث: من «الرصد» إلى «القرار المُتتبَّع». رمز اللانهاية في الهوية الجديدة يصف تدفقاً مستمراً، لكن التدفق يكتمل فقط حين يعود القرار إلى الصورة: بلاغ رصدته الكاميرا ← أمر عمل ← فريق ميداني ← إغلاق ← تحديث للمؤشر. حين تُغلق هذه الحلقة تتحوّل الصورة التشغيلية من مرآة إلى ذاكرة مؤسسية: تعرف الأمانة أي حي يتكرر فيه التشوّه البصري بعد كل مهرجان، وأي شارع تُعطَّل فيه الإنارة بعد كل عاصفة غبار، فتنتقل من الاستجابة إلى الاستباق — وهو تحديداً ما وعد به بيان التدشين حين تحدّث عن «القراءة الاستباقية للمتغيرات».
4. ماذا يعني هذا للساكن في الدمام والخبر والأحساء؟
الأثر الأول لا يراه الساكن، وهذا هو المقصود. عمود إنارة يُصلَح لأن المنصة رصدت انقطاعه قبل أن يشتكي أحد؛ لوحة إعلانية مخالفة تُزال لأن الكاميرا صنّفتها وأحالتها إلى فريق الميدان في اليوم نفسه؛ حفرية تُنسَّق بين جهتين فلا يُقطع الشارع مرتين. ورقم المنطقة الشرقية في المؤشر الوطني للتشوّه البصري يُعطي ملمحاً عمّا يمكن أن تُنتجه صورة تشغيلية مغلقة الحلقة: انخفض المؤشر من 28.47 إلى 14.63 نقطة — أي بنحو 48.6% — في القراءة المعلنة في أبريل 2026، وهو النوع من الأرقام الذي لا يتحقق بجولات تفتيش متفرقة بل بمنظومة رصد وإحالة وإغلاق تعمل باستمرار.
والأثر الثاني أبعد مدى: أن تصبح الصورة التشغيلية أصلاً عاماً تبني عليه الجامعات والشركات الناشئة. طالب دراسات عليا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يدرس جزر الحرارة في الدمام، أو شركة ناشئة تصمّم تطبيقاً لمواقف الكورنيش، يحتاجان إلى طبقة بيانات مدينية موثوقة — وهذا بالضبط ما وضعه بيان التدشين ضمن أدوار المركز حين ذكر «الجهات الأكاديمية والبحثية» و«القطاع الخاص» بين المستفيدين. ومع الخبر في المرتبة 64 عالمياً ضمن مؤشر IMD 2026 وثماني مدن سعودية على القائمة، فإن ما يرفع الترتيب في النسخ القادمة ليس شاشة أكبر بل إجابة السكان عن سؤال بسيط: هل تُصلَح الأشياء قبل أن أشتكي؟
وفي النهاية، الصورة التشغيلية الناجحة هي التي لا يعرف الساكن بوجودها: يمشي على كورنيش الخبر ليلاً فيجد الإنارة كاملة والمقاعد سليمة والرصيف بلا لوحة مخالفة، ولا يخطر له أن أحداً — أو شيئاً — كان يقرأ الشارع بالنيابة عنه قبل أن يصل.



