ما «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» ولماذا يختلف عن كل ما سبق؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي عرفناه في السنوات الماضية يجيب حين تسأله؛ أما «الوكيل» (AI Agent) فيذهب أبعد من ذلك: يفهم الهدف، ويخطّط خطواته بنفسه، ثم يُنفّذها فعلياً — يُحدّث قاعدة بيانات، يُصدر فاتورة، يُعيد جدولة موعد، أو يضبط توقيت إشارة مرور. هذه النقلة من «الرصد والاقتراح» إلى «القرار والتنفيذ» هي جوهر ما يسمّى الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI).
المدن تحديداً أرض خصبة لهذا التحوّل: توقعات المحللين تشير إلى أن نحو 65% من مدن العالم ستُشغّل وكلاء ذكاء اصطناعي بحلول 2027، في مهام تمتد من الرد على استفسارات السكان وإصدار التراخيص إلى إدارة المرور والطاقة. لكن كل صلاحية تُمنح للوكيل — وصول إلى بيانات حسّاسة، قدرة على تعديل الأنظمة، تنفيذ مدفوعات — تفتح معها سؤالاً لم تُجب عنه معظم المدن بعد: ماذا يحدث حين يتصرّف الوكيل تصرفاً خاطئاً أو غير مصرّح به؟
الإطار السنغافوري: أربعة أبعاد تُقيّد الوكيل قبل أن ينطلق
في 22 يناير 2026، ومن منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أعلنت وزيرة التطوير الرقمي السنغافورية جوزفين تيو إطلاق «الإطار النموذجي لحوكمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي» الذي طوّرته هيئة تطوير الإعلام والاتصالات (IMDA) — أول إطار وطني شامل من نوعه في العالم، بُني على أساس إطار الحوكمة النموذجي الذي أطلقته سنغافورة منذ 2020.
يوجّه الإطار المؤسسات — الحكومية والخاصة — عبر أربعة أبعاد متكاملة: أولاً، تقييم المخاطر وتحديد سقفها مسبقاً عبر اختيار حالات الاستخدام المناسبة وتقييد استقلالية الوكيل ووصوله إلى الأدوات والبيانات. ثانياً، جعل البشر مسؤولين مسؤولية فعلية من خلال تحديد «نقاط تفتيش» جوهرية لا يتجاوزها الوكيل دون موافقة بشرية. ثالثاً، ضوابط تقنية على امتداد دورة حياة الوكيل، من الاختبار المرجعي قبل النشر إلى حصر الوصول بخدمات مُدرجة في قوائم مسموحة. رابعاً، تمكين المستخدم النهائي عبر الشفافية والتدريب.
وفي 20 مايو 2026 حدّثت IMDA الإطار بناءً على تغذية راجعة من السوق، مضيفة ممارسات وحالات واقعية للأنظمة متعددة الوكلاء والوكلاء المقدَّمين من طرف ثالث — إشارة إلى أن الوثيقة «حيّة» تتطور مع نضج التقنية نفسها.
حين يخطئ الوكيل: سيناريوهات من قلب المدينة
لماذا تحتاج المدينة تحديداً هذه الحوكمة؟ لأن أخطاء الوكلاء في السياق الحضري ليست افتراضية. تخيّل وكيلَ فوترة في شركة مياه يُصدر آلاف الفواتير الخاطئة قبل أن يلاحظ أحد، أو وكيلَ تراخيص يوافق على طلبات مخالفة لكود البناء، أو وكيلاً يضبط إشارات المرور فيتخذ قراراً «منطقياً» بمعايير البيانات لكنه كارثي في الشارع. الإطار السنغافوري يضع لهذه السيناريوهات معيارين حاسمين: قابلية التراجع عن القرار (هل يمكن إلغاء أثره؟) ودرجة تحمّل المجال للخطأ — فوكيل يقترح مواعيد ليس كوكيل يتحكم بشبكة كهرباء.
الخطر الأعمق الذي يسمّيه الإطار بالاسم هو «الانحياز للأتمتة» (Automation Bias): ميل الموظفين إلى الثقة المفرطة بنظام أدّى عمله بموثوقية في الماضي، حتى تتحول «الموافقة البشرية» إلى ختم شكلي. لذلك يشدّد الإطار على أن تكون نقاط التفتيش البشرية ذات معنى — مراجعة حقيقية لا نقرة اعتياد — وعلى أن يبقى البشر في نهاية السلسلة هم المسؤولين قانونياً وأخلاقياً، مهما بلغت استقلالية الوكيل.
من سنغافورة إلى الرياض: ماذا يعني ذلك لمدن المملكة؟
تدخل المملكة عام الذكاء الاصطناعي 2026 : من مركز عمليات الرياض الذكية ومنصات سدايا، إلى مشاريع وكلاء الخدمات في البلديات والمنصات الوطنية مثل «بلدي». وكلما اقتربت هذه الأنظمة من صلاحيات التنفيذ الذاتي، أصبح السؤال السنغافوري سؤالاً سعودياً: أي القرارات نفوّضها للوكيل، وأين نضع نقاط التفتيش البشرية؟
الدرس الأهم من تجربة سنغافورة ليس نص الإطار نفسه، بل توقيته: الحوكمة صدرت قبل موجة النشر الواسعة، لا بعد أول حادثة. المدن السعودية — وقد بنت عبر سدايا منظومة مبادئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي — أمام فرصة لترجمة تلك المبادئ إلى «كتيّب تشغيل» عملي للوكلاء: تصنيف حالات الاستخدام البلدية حسب قابلية التراجع، وحدود صلاحيات موثّقة لكل وكيل، وسجل تدقيق لكل إجراء ذاتي. فالمدينة الذكية التي ستكسب ثقة سكانها في عصر الوكلاء ليست التي تنشر أكثرهم، بل التي تستطيع أن تجيب بوضوح حين يسأل المواطن: من قرّر هذا — ومن يُحاسَب؟




