عام

المدينة الذكية ليست حكراً على العواصم: كيف تُنقذ كوريا مدنها الصغيرة من الانكماش بالبيانات

في يونيو 2026 وجّهت كوريا برنامجها الوطني للمدن الذكية نحو مدنها الصغيرة المهددة بالانكماش السكاني: مدينة محورية وحيّان متخصصان ومنصتا بيانات إقليميتان. نموذج يطرح سؤالاً سعودياً مهماً بعد دخول حائل وحفر الباطن مؤشر IMD: كيف يصل التحول الذكي إلى ما بعد العواصم نحو 200 مدينة؟

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
وقت القراءة
4 دقيقة
المدينة الذكية ليست حكراً على العواصم: كيف تُنقذ كوريا مدنها الصغيرة من الانكماش بالبيانات

أزمة لا تراها العواصم — المدن الصغيرة تنكمش بصمت

حين نتحدث عن المدن الذكية، تتجه الأنظار تلقائياً إلى العواصم والمشاريع العملاقة: نيوم والرياض ودبي وسنغافورة. لكن خلف هذه الأضواء تجري أزمة صامتة في آلاف المدن الصغيرة والمتوسطة حول العالم: الشباب يهاجرون إلى العواصم بحثاً عن التعليم والوظائف، والسكان الباقون يشيخون، والقاعدة الاقتصادية تتآكل عاماً بعد عام.

 

كوريا الجنوبية تعيش هذه الأزمة في صورتها الأكثر حدة. تتوقع هيئة التدقيق والتفتيش الكورية أنه بحلول عام 2047 ستكون جميع المدن والمقاطعات الكورية البالغ عددها 226 معرضة لخطر «الاندثار المحلي»، وأن نحو 70% منها ستصنف ضمن الخطر المرتفع. السبب بسيط ومركّب في آن: نصف سكان البلاد تقريباً يتركزون في سيول الكبرى، وكل عام تفقد المدن الإقليمية مزيداً من شبابها لصالحها.

 

المفارقة أن خطاب المدن الذكية ظل لسنوات جزءاً من المشكلة لا الحل: التمويل والمواهب واهتمام الموردين تتركز جميعها حيث تتركز المشاريع الكبرى، فتزداد الفجوة الرقمية بين العاصمة وبقية المدن اتساعاً. هنا يأتي التحول الكوري الأخير ليقلب المعادلة: ماذا لو كانت التقنية والبيانات أداة إنقاذ للمدن الصغيرة بدل أن تكون امتيازاً إضافياً للعواصم؟

النموذج الكوري الثلاثي: مدينة محورية وأحياء متخصصة ومنصات بيانات

في 12 يونيو 2026 أعلنت وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل الكورية (MOLIT) الفائزين في برنامج «تطوير المدن الذكية ومنصات البيانات التجريبية 2026»، باختيار خمس حكومات محلية وفق نموذج ثلاثي المستويات يستحق التأمل.

 

المستوى الأول: سوون «المدينة المحورية». اختيرت مدينة سوون في مقاطعة كيونغي لتكون قاعدة تجريبية للحلول المرشحة للتعميم الوطني، بتمويل حكومي مطابق يصل إلى 16 مليار وون (نحو 11.7 مليون دولار) على ثلاث سنوات. الفكرة: لا تُختبر الحلول في العاصمة ثم تُفرض على البقية، بل تُختبر في مدينة متوسطة ظروفها أقرب إلى بقية المدن.

 

المستوى الثاني: بوسان وسونغنام «المجمعات المتخصصة». مدينتان تركزان على البحث والتطوير لتقنيات خاصة بسياق كل منطقة — بدل نسخة واحدة معممة، لكل مدينة تخصصها الذكي.

 

المستوى الثالث، وهو الأهم للمدن الصغيرة: منصات البيانات الإقليمية (Data Hubs) في مقاطعة جنوب كيونغسانغ وقضاء تايآن، بتمويل يصل إلى مليار وون لكل منهما. تايآن — قضاء ساحلي صغير — ستبني حلاً واحداً محدداً اسمه «بحر تايآن الآمن»: منصة تجمع البيانات البحرية وبيانات الطقس لاكتشاف مخاطر الغرق والانعزال الساحلي مبكراً، وتربط مركز التحكم بالدفاع المدني (119) وخفر السواحل للاستجابة الفورية.

 

لاحظ الوصفة الكورية: تمويل مركزي مشروط بمساهمة محلية، ومشكلة واحدة حقيقية مقيسة بدل كتالوج تقنيات، وبنية بيانات تسبق التطبيقات. هذه هي المدينة الذكية حين تتحول من مشروع استعراضي إلى أداة بقاء.

من تايآن إلى حائل — لماذا يعنينا هذا النموذج؟

قد يبدو الحديث عن «مدن تنكمش» بعيداً عن واقع سعودي ينمو ويبني، لكن السؤال الجوهري نفسه حاضر بقوة: كيف يصل التحول الذكي إلى ما بعد الرياض وجدة؟

 

نسخة 2026 من مؤشر IMD للمدن الذكية قدمت إجابة أولية لافتة: ثماني مدن سعودية دخلت المؤشر، وبينما تقدمت الرياض إلى المركز 24 عالمياً، كانت المفاجأة الحقيقية في أول ظهور لمدينتين من خارج قائمة المدن الكبرى — حائل في المركز 33 عالمياً متقدمةً على عواصم أوروبية عريقة، وحفر الباطن في المركز 100 من بين 148 مدينة. ومعهما العُلا التي قفزت من 112 إلى 85. هذه ليست أرقام عاصمة واحدة، بل ملامح منظومة وطنية.

 

وهذا بالضبط ما تعمل عليه المملكة مؤسسياً: سدايا تبني المنصة الوطنية للمدن الذكية «سمارت سي» بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان والهيئة الملكية لمدينة الرياض، ضمن مستهدف وطني يمتد التحول الذكي بموجبه إلى أكثر من 200 مدينة سعودية. أي أن السؤال الكوري — كيف نجعل التقنية تخدم المدن الصغيرة؟ — هو حرفياً السؤال السعودي القادم.

 

الفارق أن كوريا تستخدم الذكاء الاصطناعي لوقف النزيف السكاني، بينما تحتاجه المدن السعودية الصغيرة لعكس الاتجاه: جعل حائل وحفر الباطن وعرعر وجازان أماكن تستبقي شبابها وتجذب الاستثمار، بدل أن تكون محطات عبور نحو العواصم الثلاث.

دروس التطبيق: كيف تبدأ مدينة صغيرة رحلتها الذكية؟

من التجربة الكورية ومن أول ظهور سعودي ناجح في المؤشرات، يمكن استخلاص أربعة دروس عملية لأي بلدية سعودية متوسطة أو صغيرة تخطط لخطوتها الذكية الأولى.

 

أولاً: ابدأ بمشكلة واحدة مؤلمة ومقيسة. تايآن لم تشترِ «منصة مدينة ذكية شاملة»، بل حلاً لمشكلة الغرق على شواطئها. المدينة الزراعية تبدأ من الري والمياه، والمدينة الصناعية من جودة الهواء، ومدينة المعابر من اللوجستيات.

 

ثانياً: بنية البيانات قبل التطبيقات. منصة البيانات الإقليمية المشتركة بين عدة بلديات تخفض الكلفة وتمنع تكرار البناء — وهو الدرس نفسه الذي رأيناه في نموذج شبكة LoRaWAN المشتركة بين سبع بلديات بريطانية: المدن الصغيرة تتشارك البنية التحتية بدل أن تتنافس عليها.

 

ثالثاً: التمويل المطابق لا المنح المفتوحة. النموذج الكوري يشترط مساهمة محلية مقابل التمويل المركزي، فيضمن جدية البلدية والتزامها بالتشغيل لا بالافتتاح فقط.

 

رابعاً: رضا السكان هو المقياس. مؤشر IMD يقيس تصورات السكان لا عدد الحساسات — وصعود حائل إلى المركز 33 يقول إن الخدمة التي يلمسها المواطن في مدينة صغيرة قد تتفوق على استعراض تقني في مدينة كبيرة.

 

المدينة الذكية في نهاية المطاف ليست مشروع عاصمة ولا رفاهية مدن عملاقة؛ إنها أداة عدالة تنموية. وحين تصل إلى 200 مدينة سعودية، سيكون السؤال الذي يحدد النجاح هو نفسه الذي بدأت به كوريا: أي مشكلة حقيقية حللنا لسكان هذه المدينة تحديداً؟

مقالات ذات صلة

مقال ذو صلة: 1600 كاميرا في الحدائق: كيف تحوّلت الرقابة البلدية من مفتّشٍ يجول إلى مدينةٍ تفتّش نفسها؟

1600 كاميرا في الحدائق: كيف تحوّلت الرقابة البلدية من مفتّشٍ يجول إلى مدينةٍ تفتّش نفسها؟

أمانة الرياض تشغّل أكثر من 1600 كاميرا بالذكاء الاصطناعي في الحدائق، ضمن عشر مبادرات رقابة ذكية تشمل مركبات مسح متحركة ودرونات بدقة 5 سم. قراءة في تحوّل الرقابة البلدية من جولة تفتيش إلى منظومة استباقية، وفي الخط الفاصل بين الكفاءة وثقة السكان.

٧ سبتمبر ٢٠٢٦
مقال ذو صلة: قبل أيام من GAIN 2026: تأجّل معرض المدن الذكية إلى 2027 — فماذا يجب أن تخرج به مدننا من قمة الذكاء الاصطناعي؟

قبل أيام من GAIN 2026: تأجّل معرض المدن الذكية إلى 2027 — فماذا يجب أن تخرج به مدننا من قمة الذكاء الاصطناعي؟

في ١٥ سبتمبر تنطلق القمة العالمية للذكاء الاصطناعي GAIN في الرياض، بينما تأجّل معرض المدن الذكية السعودي إلى يونيو 2027. نقرأ ما تغيّر في تقويم سبتمبر، والأسئلة الخمسة التي يجب أن تحملها الأمانات إلى القمة، وكيف تتحوّل المذكرات إلى مشاريع يلمسها الساكن.

٥ سبتمبر ٢٠٢٦
مقال ذو صلة: البنية التحتية الرقمية: الأساس لتحقيق المدن الذكية في السعودية

البنية التحتية الرقمية: الأساس لتحقيق المدن الذكية في السعودية

تعرف على أهمية البنية التحتية الرقمية في دعم المدن الذكية في السعودية، والتحديات التي تواجه تحقيق هذا الهدف الوطني الطموح.

١ سبتمبر ٢٠٢٦

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً