من الافتتاح إلى 200 مليون راكب — أرقام تتحدث
حين افتُتح مترو الرياض في ديسمبر 2024 بوصفه أطول شبكة مترو ذاتية القيادة في العالم — 176 كيلومتراً وستة خطوط و85 محطة — كان السؤال المشروع: هل تركب مدينةٌ اعتادت السيارة قطاراً بلا سائق؟
أجابت الأرقام أسرع مما توقع كثيرون. تجاوز المترو 100 مليون راكب في أقل من عام بمعدل يومي يقارب 370 ألف راكب، ثم بلغ 200 مليون رحلة بحلول مارس 2026، محافظاً على نسبة التزام بالمواعيد تتجاوز 99.8% — رقم يضعه في مصاف أكثر أنظمة النقل موثوقية عالمياً. ويتصدّر الخط الأزرق الممتد على شارع العليا قائمة الاستخدام بأكثر من 46 مليون راكب، وهو مؤشر واضح: حيث تمر البنية التحتية الذكية عبر مراكز الكثافة الوظيفية، يتغيّر سلوك التنقّل فعلاً.
هذه الأرقام ليست إحصاءً تشغيلياً فحسب؛ إنها إثبات الجدوى الذي احتاجته المرحلة الثانية: التوسّع.
الخط السابع — 65 كيلومتراً من المطار إلى القدية
في ديسمبر 2025 أُدرج «المسار السابع» ضمن خطط التنفيذ في ميزانية 2026، لينتقل المشروع من الدراسة إلى الواقع. يمتد الخط الجديد نحو 65 كيلومتراً بـ19 محطة (14 تحت الأرض و5 مرتفعة)، رابطاً مطار الملك خالد الدولي شمال شرق العاصمة بمدينة القدية الترفيهية جنوب غربها، ليرفع إجمالي الشبكة إلى نحو 240 كيلومتراً.
لكن القيمة الحقيقية في نقاط التوقف لا في الطول: حي العرين، المربع الجديد، بوابة الدرعية، حديقة الملك سلمان، مدينة مسك، ثم القدية. أُغلقت مناقصات التصميم والبناء في سبتمبر 2025 بمنافسة تحالفات عالمية تقودها ألستوم وسيمنز وهيتاشي ريل وCRRC، على أن يبدأ التنفيذ خلال 2026 ويكتمل بحلول نحو 2030 — قبل كأس العالم 2034 بمسافة آمنة.
والخط السابع، كسابقيه، سيعمل بتقنية القيادة الذاتية الكاملة؛ فالرياض لم تعد تبني خطوط مترو تقليدية ثم «تُذكّيها»، بل تبنيها ذكية من الأساس.
أكثر من وسيلة نقل — المترو كبنية تحتية ذكية
ما يجعل مترو الرياض قصة «مدينة ذكية» لا قصة «نقل عام» هو طبقة التشغيل الرقمية الكاملة: قطارات بلا سائق تُدار من مركز تحكم موحّد، وتطبيق «درب» الذي يجمع التخطيط والتذاكر والدفع اللاتلامسي في واجهة واحدة، ومحطات زُوّدت بألواح شمسية توفّر نحو خُمس استهلاكها من الطاقة، وتكامل مع شبكة حافلات الرياض لتغطية الميل الأخير.
كل رحلة من الرحلات المئتي مليون تولّد بيانات تشغيل لحظية: أنماط الذروة، وأحمال المحطات، وكفاءة الأسطول. هذه البيانات هي التي تسمح برفع الموثوقية فوق 99.8% عبر الصيانة التنبؤية وإعادة جدولة ديناميكية — وهي نفسها التي ستحدّد لاحقاً أين تُبنى التوسعات التالية ومتى.
ما الذي تكشفه الخريطة الجديدة؟
انظر إلى محطات الخط السابع مجتمعةً وستقرأ استراتيجية عمرانية كاملة: المطار (بوابة الزوار)، المربع الجديد (المركز الاقتصادي الصاعد)، الدرعية (عاصمة التراث بمشروع 63 مليار دولار)، حديقة الملك سلمان (أكبر حديقة حضرية في العالم)، مسك (مدينة الابتكار والشباب)، والقدية (عاصمة الترفيه واستادات كأس العالم). أضف إليها محطة المترو الجديدة المعلنة في فبراير 2026 لخدمة موقع إكسبو 2030، وستجد أن العاصمة تربط مشاريعها العملاقة بعمود فقري واحد ذاتي القيادة.
الدرس للمدن الذكية واضح: القيمة ليست في القطار نفسه، بل في أن يصبح الشبكةَ التي تُنظّم حولها المدينة نموّها — فبدل أن يلحق النقلُ العمرانَ متأخراً، يسبقه هنا ويرسم خريطته.




