المعضلة الصامتة: المدينة التي تعرف كل شيء عنك
تقوم المدينة الذكية على وقودٍ واحد: البيانات. فكل كاميرا مراقبة، وعدّاد كهرباء ذكي، وحسّاس مرور، وتطبيق خدمات بلدية، يُنتج سيلاً متواصلاً من المعلومات عن حركتنا وسلوكنا واستهلاكنا. لكن خلف هذا الذكاء يكمن سؤال نادراً ما يُطرح بصوتٍ عالٍ: مَن يملك هذه البيانات؟ ومَن يقرّر كيف تُستخدم، ومَن يجني ثمارها؟
أوضح درسٍ على خطورة تجاهل هذا السؤال جاء من مدينة تورونتو الكندية. هناك خطّطت شركة «Sidewalk Labs» الشقيقة لجوجل لبناء حيٍّ ذكيٍ نموذجيٍ على الواجهة البحرية، لكن المشروع انهار عام 2020 وسط مخاوف المواطنين من الخصوصية ومن حجم السيطرة التي ستحصل عليها شركة خاصة على بيانات المدينة. اقترحت الشركة «صندوق ائتمان للبيانات الحضرية»، لكنه رُفض لغموضه وضعف آليات المساءلة فيه. والدرس الأهم: لم تكن التقنية هي العائق، بل غياب نموذجٍ واضحٍ وعادلٍ لحوكمة البيانات يكسب ثقة الناس.
النموذج الأول — سنغافورة: الدولة في قلب البيانات
تمثّل سنغافورة النموذج «الذي تقوده الدولة»، حيث تكون الحكومة هي المالك والمشغّل والحارس للبيانات في آنٍ واحد. أبرز تجلياته مشروع «Virtual Singapore»، أول توأم رقمي لدولةٍ كاملة، أُطلق عام 2014 واكتمل في 2022 بأكثر من 50 تيرابايت من البيانات وبإشرافٍ مشترك من هيئات حكومية. تُلزِم المنصة جميع الجهات بالعمل على مصدر بياناتٍ موحَّد، فيُحاكى أي مشروع جديد لقياس أثره على بقية الأنظمة قبل تنفيذه على الأرض.
قوة هذا النموذج في كفاءته وتكامله وقدرته على التخطيط المبني على الأدلة. أما تحدّيه فهو ضعف مشاركة المواطن وتنامي المخاوف من الرقابة، إذ تتركّز السلطة على البيانات في يد جهةٍ واحدة.
النموذج الثاني — برشلونة: البيانات مِلكٌ للمواطن
على الطرف المقابل تقف برشلونة بنموذج «سيادة المواطن على بياناته». فبعد جدلٍ واسع حول مَن يتحكّم في بيانات المدينة، تبنّت المدينة مبدأً صريحاً: البيانات ملكٌ للسكان لا لشركات التقنية. وجسّدت ذلك عبر مشروع «DECODE» المموّل أوروبياً، الذي استخدم تقنياتٍ لامركزية كالتشفير وسلاسل الكتل لمنح الأفراد تحكّماً فعلياً في بياناتهم وهويّتهم الرقمية، فيقرّر كلّ منهم ما يشاركه وما يبقيه خاصاً، وبأي شروط.
والأهم أن برشلونة أعادت تعريف البيانات بوصفها «مشاعاً عاماً» (Data Commons) وبنيةً تحتية عامة، تماماً كالماء والكهرباء والهواء النظيف. قوة هذا النموذج في بناء الثقة وصون الحقوق، وتحدّيه في تعقيده وبطء تطبيقه مقارنةً بالنموذج المركزي.
النموذج الثالث — كوبنهاغن: البيانات في خدمة هدف
يقدّم النموذج الدنماركي فلسفةً ثالثة: ألّا تُجمع البيانات لذاتها، بل لخدمة هدفٍ عامٍّ واضح. فقد ربطت كوبنهاغن منظومتها الذكية بأكبر طموحاتها: أن تصبح من أوائل العواصم المحايدة كربونياً، وهو هدفٌ تبنّته منذ 2009 وحدّدت له عام 2025. ولبلوغه وجّهت تقنياتها وبياناتها نحو إدارة الطاقة والمباني والتنقّل: شبكات تدفئةٍ ذكية تغطّي نحو 98% من المدينة، وخفضٌ للانبعاثات تجاوز 40% منذ 2005، ومستهدفٌ أن تتم 75% من التنقّلات سيراً أو بالدراجة أو بالنقل العام.
الدرس هنا أن الحوكمة الجيدة تبدأ من سؤال «لماذا» قبل «كم»: فحين تكون لجمع البيانات غايةٌ مجتمعية واضحة، يصبح من الأيسر قياس جدواه وكبح الإفراط فيه. وحتى حين تتعثّر بعض المستهدفات الزمنية، يبقى وضوح الهدف بوصلةً تَحكم استخدام البيانات وتمنعه من التحوّل إلى جمعٍ بلا غاية.
وماذا عن مدننا؟ السعودية بين النماذج الثلاثة
لم تبدأ السعودية من فراغٍ في هذا الميدان، بل أرست منظومة حوكمةٍ متقدّمة عمادها «نظام حماية البيانات الشخصية» (PDPL)، مع «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) جهةً منظِّمة، و«المكتب الوطني لإدارة البيانات» (NDMO) لرسم السياسات والمعايير. وقد انتقل التطبيق من التشريع إلى الإنفاذ الفعلي، إذ أصدرت اللجان المختصة عشرات القرارات بحقّ جهاتٍ مخالفة خلال العام الماضي، في رسالةٍ واضحة بأن حماية بيانات الأفراد ليست شعاراً.
وبحكم مشاريعها العملاقة المركزية — من نيوم إلى القدية والدرعية — تميل المملكة بطبيعتها إلى النموذج «الذي تقوده الدولة» على غرار سنغافورة، بما يمنحها كفاءةً وتكاملاً نادرين. لكن دروس تورونتو، وما أظهره مؤشر IMD للمدن الذكية 2026 من أن «الثقة والشفافية» باتت تتنبأ بترتيب المدن أكثر من عدد حسّاساتها، يشيران إلى أن الوصفة الأكثر استدامة تمزج كفاءة سنغافورة بثقة برشلونة ووضوح هدف كوبنهاغن.
في النهاية، لن تُقاس مدينة الغد بعدد كاميراتها وحسّاساتها، بل بإجابتها عن سؤالٍ بسيط: هل يثق المواطن بمن يملك بياناته وبكيفية استخدامها؟ هنا تحديداً تلتقي حوكمة البيانات مع جوهر رؤية 2030: جودة حياةٍ وحكومةٍ رقمية يثق بها الإنسان الذي بُنيت من أجله.




