من مدينة «تَرى» إلى مدينة «تتصرف» — ما الذي تغيّر في 2026؟
أمضت المدن العقد الماضي في بناء أساسها الرقمي: نشرت الحساسات، ووسّعت الاتصال، وجمعت البيانات في لوحات معلومات تُظهر ما يحدث لحظة بلحظة — وهذا جوهر ما عرفناه باسم «المدينة الذكية». لكن الرؤية وحدها لم تعد كافية؛ فمع تشابك أنظمة التنقّل والطاقة والسلامة والخدمات، انتقل التحدي من جمع البيانات إلى تنسيق الاستجابة في الوقت الفعلي. هنا يأتي مفهوم «AI City» الذي طرحته ASUS في مارس 2026 ثم حوّلته مع Foxconn إلى حلّ جاهز يُقدَّم للحكومات: دمج الذكاء الاصطناعي في النسيج التشغيلي للمدينة بحيث تعمل أنظمتها في حلقة متصلة من أربع قدرات — الاستشعار لرصد الأوضاع، والتنبؤ بالطلب والمخاطر، والقرار والتنسيق لاختيار التدخّل الأمثل ضمن قيود السياسات والميزانية والسلامة، ثم التنفيذ والتعلّم عبر أنظمة التحكم مع تحسّن مستمر. والمثال الذي تسوقه ASUS بليغ في بساطته: بدلاً من شاشة تُخبر الموظف أن حاويات النفايات امتلأت، تتنبأ «AI City» بمعدلات الامتلاء، وتعيد توجيه فرق الجمع، وتنسّق إشارات المرور لمسارها، وتتحقق من إتمام المهمة — من البداية إلى النهاية. إنها النقلة من مدينة تصف المشكلة إلى مدينة تحلّها، ولعلّها النقلة التي ستحدد ملامح العقد القادم في سوق تتوقع التقارير الصادرة في يونيو 2026 أن يقفز فيه إنفاق منصات المدن الذكية من نحو 65 مليار دولار إلى 337 ملياراً بحلول 2033.
«الذكاء الحضري السيادي» — خمس طبقات تحكمها المدينة لا المورّد
اللافت في طرح «AI City» أنه لا يبيع خوارزميات، بل بنية حوكمة كاملة عمادها مفهوم «الذكاء الاصطناعي الحضري السيادي» (Urban Sovereign AI): قدرة المدينة على امتلاك بياناتها ومواردها الحاسوبية ونماذجها والتحكم فيها داخل إطارها القائم، في عالم يتسارع فيه التنافس على البيانات والقدرة الحاسوبية. تتجسد هذه الفلسفة في بنية من خمس طبقات: الحوسبة السيادية (مراكز بيانات وحوسبة طرفية بمواصفات وطنية)، ثم النماذج السيادية المُحسّنة للغة المحلية والسياق والامتثال مع إدارة إصدارات كاملة، تعلوها طبقة المنصة — الموثوقة لإدارة الهوية والتكامل والأمن السيبراني بحيث يصبح كل قرار آلي قابلاً للتتبّع والتدقيق — ثم طبقة التطبيقات التشغيلية بمؤشرات أداء ومُلّاك واضحين، وأخيراً طبقة الابتكار المفتوحة للشركات والجامعات. وفوق ذلك كله تجلس الحوكمة التشغيلية التي تجيب عن الأسئلة الصعبة: ما الذي يُؤتمت وما الذي يبقى رهن موافقة بشرية؟ وكيف تُدمَج ضوابط السلامة والعدالة في التنسيق الآلي نفسه؟ ومتى نتراجع عن نموذج أخطأ؟ هذه اللغة — من مبادئ «انعدام الثقة» Zero Trust إلى دورة حياة النماذج — مألوفة لدى مهندسي الأنظمة، لكن الجديد هو نقلها من مركز البيانات إلى إشارة المرور في الشارع.
ماذا يعني ذلك لمشاريع رؤية 2030 — ومن يبني أول «AI City» عربية؟
تقف المملكة في موقع فريد لالتقاط هذه الموجة: فقد أعلنت 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، وتبني عبر Humain وشركائها مصانع ذكاء اصطناعي سيادية بالفعل، ومشاريعها العملاقة تُبنى من الصفر دون إرث تقني يعيقها — ما يتيح لها القفز مباشرة من مرحلة «المدينة الذكية» إلى «AI City». والمجالات التي تقترحها ASUS كنقطة بداية (التنقّل التكيفي، والطاقة والمرافق المستجيبة، والسلامة العامة، والخدمات الرقمية للمواطنين. وتجربة مدينة تاينان التايوانية، أول نموذج تطبيقي معلن للمفهوم، تقدّم درساً مبكراً يستحق المتابعة قبل تبنّيه خليجياً. يبقى السؤال الأهم مؤسسياً لا تقنياً: من يملك القرار المؤتمت في البلدية؟ وكيف تتوزع المسؤولية حين تخطئ خوارزمية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة — لا شراء التقنية — هي ما سيحدد من يبني أول «AI City» عربية حقيقية؛ مدينة لا يلاحظ ساكنها شيئاً من طبقاتها الخمس، لكنه يلمس أثرها كل صباح: إشارة خضراء تنتظره بدل أن ينتظرها، وشارع جفّ من تسريب أُصلح قبل أن يراه أحد.




