أولاً: مؤشر IMD… كيف يقاس «ذكاء» المدن؟
يصدر مؤشر «IMD Smart City Index» سنوياً عن معهد IMD السويسري للإدارة، وهو أحد أبرز ثلاثة مؤشرات عالمية تقيس أداء المدن الذكية. اللافت في منهجيته أنه لا يعتمد على بيانات صلبة من الحكومات أو شركات التقنية، بل يستند إلى استطلاع رأي السكان أنفسهم: في كل مدينة من المدن الـ148 المشمولة بنسخة 2026 يُسأل نحو 120 ساكناً عن إدراكهم لجودة الخدمات الحضرية ومدى وفرة التقنيات الذكية في حياتهم اليومية. ويُحسب الترتيب النهائي بمعادلة ترجيحية تعطي إجابات 2025 ثقلاً مضاعفاً مقارنةً بإجابات 2024 و 2023 (بنسب 3:2:1).
ويستند المؤشر إلى ركيزتين أساسيتين: «البُنى» (Structures) التي تشمل البنية التحتية والخدمات العامة والحوكمة، و«التقنيات» (Technologies) التي تشمل التطبيقات والخدمات الرقمية. وتُقيّم كل ركيزة عبر خمسة محاور: الصحة والسلامة، التنقّل، الأنشطة، الفرص، والحوكمة.
ومن أبرز ما كشفته نسخة 2026: أن أداء المدن في ركيزة «البُنى» يتنبّأ بترتيبها الإجمالي أكثر ممّا يفعل أداؤها في ركيزة «التقنيات»، أي أن الأرصفة والمستشفيات والمواصلات تتفوّق في تأثيرها على رضا الساكن مقارنةً بالتطبيقات وحدها.
ثانياً: الرياض في الـ24… وقفزة لافتة للعُلا وحائل
حضرت ثماني مدن سعودية في نسخة 2026 من المؤشر، وجاءت نتائجها كالتالي: الرياض في المركز 24 عالمياً، صاعدةً ثلاث مراتب من المركز 27 في النسخة السابقة، لتدخل ضمن أفضل 25 مدينة ذكية في العالم. حائل، التي دخلت المؤشر لأول مرة، تحلّ في المركز 33 متقدّمة على عواصم خليجية وعربية كبرى. مكة المكرّمة في المركز 50، تليها جدّة في 55، ثم الخُبر في 64، فـالمدينة المنوّرة في 67.
أمّا المفاجأة الأبرز فهي العُلا التي قفزت من المركز 112 إلى 85، أي بـ27 مرتبة دفعةً واحدة، وهو ما يعكس ثمار مشاريع التطوير السياحي والعمراني المتسارعة فيها. وتُكمل القائمة محافظة حفر الباطن التي ظهرت لأول مرة في المركز 100.
هذا الحضور المتنوّع، الذي يشمل العاصمة الإدارية، والحاضرتين الدينيتين، ومدناً صناعية، ووجهة سياحية ناشئة، ومدناً إقليمية، يعكس أن التحوّل الرقمي السعودي لم يَعد حكراً على «الرياض الكبرى»، بل بات نموذجاً لامركزياً يُعيد توزيع الاستثمار في الذكاء الحضري على امتداد الجغرافيا السعودية، ضمن مسار رؤية المملكة 2030.
ثالثاً: ماذا تعني هذه الأرقام للقارئ؟ ثلاث دلالات
أولاً، الترتيب يقيس إدراك الساكن لا أرقام الحكومات. هذه نقطة جوهرية كثيراً ما تغيب عن النقاش: ارتفاع الرياض إلى المركز 24 لا يعني أن المملكة نشرت عدداً قياسياً من المستشعرات، بل أن السعوديين والمقيمين أنفسهم يرون أن جودة الخدمات والتقنيات الحضرية تحسّنت فعلاً في حياتهم اليومية.
ثانياً، الأساسيات قبل التطبيقات. يكشف المؤشر أن ركيزة «البُنى» — الطرق، المستشفيات، المواصلات، الحوكمة — هي المحرّك الأقوى للترتيب، لا التطبيقات الذكية بحد ذاتها. ما يعني أن صعود المدن السعودية مرتبط بالاستثمار الضخم في البنى التحتية المادية أكثر من ارتباطه بالواجهات الرقمية وحدها — وهي رسالة مهمة لمن يُسوّق المدينة الذكية بوصفها «تطبيقاً جوّالاً».
ثالثاً، التنوّع الجغرافي يحوّل التجربة إلى نموذج. حين تظهر العُلا وحفر الباطن وحائل إلى جانب الرياض وجدّة، فهذا يعني أن «المدينة الذكية» لم تعد مشروعاً واحداً عملاقاً، بل منظومة قابلة للتطبيق على مدن متوسطة وصغيرة بالمعطيات الصحيحة. وهي بشرى لأي قارئ يسكن خارج المدن الكبرى: مدينته أيضاً مرشّحة لأن تكون ضمن الترتيب القادم.



