إحصائيات وترتيبات

العُلا تقفز 27 مركزاً في مؤشر IMD 2026: كيف حوّلت مدينة التراث إرثها إلى ذكاء رقمي يُقنع العالم؟

في 2026، قفزت العُلا 27 مركزاً في مؤشر IMD العالمي للمدن الذكية لتبلغ المركز 85 — أكبر تحسّن في النسخة. قصة استثنائية في دمج التراث بالذكاء الرقمي.

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
١٤ يونيو ٢٠٢٦
وقت القراءة
3 دقيقة
العُلا تقفز 27 مركزاً في مؤشر IMD 2026: كيف حوّلت مدينة التراث إرثها إلى ذكاء رقمي يُقنع العالم؟

27 مركزاً في عام واحد: الرقم الذي أذهل العالم

في أبريل 2026، أصدر معهد IMD للأعمال نسخته السادسة من مؤشر المدن الذكية، مقيّماً 148 مدينة حول العالم بناءً على آراء 120 مقيماً في كل مدينة. النتيجة التي لفتت الأنظار لم تكن من زيورخ أو أوسلو — بل جاءت من صحراء الحجر السعودية.

 

العُلا، المدينة التي تحضن أقدم الآثار النبطية وتقع وسط تضاريس صحراوية مهيبة، قفزت من المركز 112 إلى المركز 85 عالمياً — محقّقةً أكبر تحسّن فردي في كامل النسخة لعام 2026. لم تكن هذه مجرد حركة في قائمة؛ كانت رسالة واضحة: التراث والذكاء الرقمي ليسا على طرفَي نقيض.

 

في السياق السعودي، جاءت العُلا ضمن ثمانية مدن مملكة في المؤشر — وهو رقم قياسي للمملكة — وإلى جانبها الرياض في المركز 24 (ارتفاعاً من 27)، ومكة المكرمة 50، وجدة 55، والخبر 64، والمدينة المنورة 67. أما حائل وحفر الباطن فقد دخلتا المؤشر لأول مرة. لكن رقم العُلا — 27 مركزاً في سنة واحدة — ظلّ الأكثر إبهاراً.

ماذا يقيس مؤشر IMD وكيف تُسجّل النقاط؟

يعتمد مؤشر IMD على ركيزتين رئيسيتين: البنية الهيكلية (Structures) التي تشمل البنية التحتية المادية والمؤسسات والحوكمة، والتقنية (Technology) التي تشمل الخدمات الرقمية ومدى توافرها للمقيمين. كل ركيزة تُقيّم عبر خمسة محاور: الصحة والسلامة، والتنقل، والأنشطة، والفرص، والحوكمة.

 

والأهم من ذلك: كشفت نسخة 2026 — التي حملت عنوان "السعي نحو الثقة والشفافية" — أن ركيزة البنية الهيكلية (Structures) تتنبّأ بترتيب المدن بشكل أكثر دقة من ركيزة التقنية. المدن الأعلى ترتيباً كزيورخ وأوسلو وجنيف وكوبنهاغن تتصدّر في المؤسسات والحوكمة والبنية التحتية — لا في عدد التطبيقات الرقمية.

 

ويعني ذلك أن الذكاء الحقيقي للمدينة ليس في عدد الحساسات أو التطبيقات، بل في متانة البنية ومستوى الثقة التي يمنحها المقيمون لمؤسسات مدينتهم. وهذا تحديداً ما أثبتته العُلا.

ما الذي بنته هيئة العُلا؟

وراء هذه الأرقام، مسيرة استثمارات هادئة ومدروسة تقودها هيئة العُلا الملكية (RCU) منذ سنوات. ثلاثة محاور رئيسية تفسّر القفزة:

 

شراكة STC للاتصالات (15 عاماً) — في 2023، أعلنت الهيئة عن شراكة استراتيجية مع شركة الاتصالات السعودية لمدة 15 عاماً، تهدف إلى دمج بنية تحتية محايدة للمضيف (Neutral Host) داخل شبكة الاتصالات القائمة، مع تمكين شبكة 5G وشبكة الألياف الضوئية المفتوحة لجميع مزوّدي الخدمة. الهدف ليس فقط التوصيل، بل بناء بنية رقمية قابلة للتوسع لعقود.

 

منظومة الأمن الذكي مع Thales — أبرمت الهيئة اتفاقية مع مجموعة Thales الفرنسية لتأمين المواقع التراثية عبر منصة رقمية ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تشمل كاميرات المراقبة وأنظمة الاتصالات الحيوية وإدارة الأزمات.

 

مطار العُلا الدولي — رفعت الهيئة الطاقة الاستيعابية للمطار من 400 ألف إلى 700 ألف مسافر سنوياً، مع دمج تقنيات ذكية لتحسين تجربة المسافر، وإطلاق حلول تنقل ذكية داخل المنطقة. كل هذا في إطار مخطط "طريق الازدهار" (Path to Prosperity)، الذي يوازن بين متطلبات التطوير العمراني وصون الهوية التاريخية الفريدة للمنطقة.

الدرس الأعمق: التراث ليس عائقاً — بل ميزة

ما تقوله قصة العُلا يتجاوز الأرقام. لو نظرنا إلى المدن التي تتسابق على لقب "المدينة الذكية"، نجد أغلبها يبدأ من صفحة بيضاء — مدن جديدة تُبنى من الصحراء. العُلا بدأت من مكان مختلف تماماً: حضارة نبطية تمتد 2000 عام، وتضاريس طبيعية فريدة، ومجتمع له جذور وهوية راسخة.

 

أن تنجح العُلا في تحقيق أكبر قفزة في مؤشر IMD 2026 يعني شيئاً واحداً: النجاح في المدن الذكية لا يُقاس بما تضيفه من تقنية، بل بما تبنيه من ثقة. ثقة السكان في الخدمات، ثقتهم في المؤسسات، ثقتهم في أن التحوّل الرقمي لن يمحو هويتهم.

 

هذا تحديداً ما كشفه مؤشر IMD 2026: الثقة والشفافية هما العمود الفقري للمدينة الذكية الحقيقية. والعُلا أثبتت أن مدينة عمرها آلاف السنين قادرة على تعليم المدن الجديدة درساً في الحداثة.

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً